الطّفلة والنّملة |

الطّفلة والنّملة

مررت بفيديو لسيدة تحاول تهدئة روع طفلتها بعدما تعرضت لنملة مشت على قدمها في استراحة استجام، وتعرض السيدة مشكلتها مع قلق طفلتها وخوفها الشديد، وكيف أنها لم تستجب لعديد من الخطوات في تهدئتها أوتشيت انتباهها، وهنا أذكر قصة هذا المقطع لا للسخرية من خوف الطفلة أو قلق السيدة وسعيها لإظهار آساليب تهدئة روع الأطفال، فالراجح عندي دومًا أن هلع الأطفال يجب أن يتعامل معه بحرص شديد، يجب أن تكون الأسرة والعائلة، الوالدين والأهل مصدر الأمان لطفلهم، وإن الأهل هم “سوبرمان” الطفل الذين بوسعهم أن ينقذوا طفلهم من كل هلع أو رعب أو مأزق يتعرض له.

يجدر المقارنة بين جيل وآخر، بين طريقة تنشئة وتربية تقليدية وأخرى أكثر حداثية، فإن حداثية التربية التي أنتجتها رفاهية الحياة التي نعيشها، قد خلقت طورا من المشاعر الفضفاضة عن الاستيعاب أو حتى التصور، بما يوحي إلى ليونة التربية، بل ترويض النفس والقلب والإنسان على الليونة شديدة الرقة التي ما أن يتكشف الحال أو الواقع، أو تتقلب الحياة حولنا، تحول الخوف إلي كارثة تبتلع النفس وتستوطن القلب.

أمَّا لأطفال في بيئة متعبة ومنهكة، في واقع شديد الصلاية والقسوة، قد يخلق تنشئة وترويضًا لنفس الطفل على الصلف والصلابة والشدة وهذا ما تجده تحديدًا في أطفال غزة، لا لأن أطفال غزة عمالقة ومن طور وجينات بشرية مختلفة عن أطفال العالم المترف، ولا لأن أمهات أطفال غزة لا تشتعل حبًا بأطفالهن أو أنهن لا يرجون لهم ترفًا مغدقًا، إلا أن الواقع شديد الصلابة والقسوة الذي يحيط بنا، جعل من أهالينا أكثر قدرة على ترويضنا لاحتمال مواجهات صعبة ليس للأطفال عادة باع في مواجهتها، كذلك كان طور التنشئة والتربية التي اعتدنا عليها أن لا مجال للخوف، أو بالأحرى لا مجال للاستسلام للخوف، فأنت لست بحاجة لمروض نفسي قد يخرجك من نوبة هلعك، وهنا أتحدث بشكل عام لا ليعض الحالات الخاصة، وأتكلم عن عموم المجتمع لا خاصته التي لديها بعض الخصوصية في أطفالها، فيصير عنا الطفل وحده المكلف في تهدئة خوفه، وحده المسؤول في التعامل مع هلعه، بل يصبح المخيف العادي لدى العالم، غير مخيف بل مثير للسخرية لديه، فماذا يعني أن يواجه طفلنا حشرة تمشي على قدمه؟ وماذا تعني أصوات طيران مستدام في الأجواء يدرك الطفل أنه طيران مغير ويقصف لكنه اعتاده، فنجد اعتياد الخوف قد صار دربًا من دروب تنشئة جيلًا أخافه أنا شخصيا لما به مت شراسة وقوة قد تنحرف عن بوصلتها، بل جيلًا له ردود فعل قاسية وصلبة لما واجهه، ولا نملك نحن حتى ترويضه، وفي هذا جانب من جوانب ربما ايجابية؛ قد تفضي أننا لا نخاف عليهم، بل إننا نتعامل معهم كراشدين وواعيين يمتلكون قدرة على المبادرة.

أذكر في أحد مرات النزوح التي أجبرنا عليها المحتل، ابن اخي الذي يبلغ من العمر سبع سنوات، يوصينا أخي – والده- أن نهرول اثنين اثنين، من يفلت يد الاخر لا ينتظره، لأن رصاص الطائرات لن يرحمنا، وهنا مسك الصبي حبلًا قال لي: اربطي طرفه بيدك والآخر بيدي، فاذا ركضنا كنا سويا ولن تسقط يدك من يدي.

كان حريًّا بي أن ألعن الكوكب كله، لكن لم نملك وقتا فالقذائف تتطاير فوقنا، كيف استطاع أن يجد حلًا داخل هذا الهلع؟ وحين ركضنا كان سباقًا، بعض آيات يرددها، ثم إذا نجونا في مكان أكثر أمنًا، جلس على ناصية طريق وقال فعلناها ونجونا.

هذه الحادثة وغيرها من حوادث مع أطفالنا في غزة، ما بثته الشاشات، وما نشرته الكاميرا، كان شديد الوضوح أننا نمتلك جيلًا مختلفًا لحسابات علم النفس وحضارة البشر في التربية والتنشئة، وأن اطفالنا قد سرقت أعمارهم من عمر الطفولة،قد قفزت بهم إلى مرحلة عمرية هي أكثر قسوة وصلابة وإدراكًا، في هذا توافق لما يتطابق مع واقع شديد الكارثية والمأساة؛ لكنه غير صحي؛ لأننا نعوز مفهوم الطفولة في حياتنا، ونعوز أن يعرفوا معنى أن تكون طفلًا تخاف فيكون مصدر أمانك أهلك لا نفسك وتحليلك، كي نستطيع بناء مجتمع عادي مترف يومًا ما، لكنه يضعنا أمام ضرورة مراجعة قوية لماذا نريد لأطفابنا الليونة والدلال حتى المرونة والضعف في عالم كل ما فيه بات بلا شك ينذر بصعوبة الحياة وكارثية القادم، سواء على صعيد الصراعات والحروب أو الكوارث الطبيعية، وقد ورد في الأقر مقولة تنسب لعلي بن ابي طالب فيها كثير من الحكمة تصلح أن تكون نصب أعيننا “لا تربوا أبناءكم كما رباكم أباؤكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم” وإن زماننا القادم شديد الصعوبة.

فاطمة قويدر 

١٥/١/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading