مما قد يقال في الوطن أنك تُلقي أغراضك منهَكًا بعد مشوارٍ طويل.. تلقيها فوق طاولةٍ ما.. في مقهىً ما.. لم يبدأ عمله بعد.. ولا تكترث لمن تكون الطاولة.. كل شيءٍ هو لك.. حتى ما يملكه الآخرون أحيانا!.. لأنك أنت الآخرون.. وهُم أنت.
سيأتي أحدهم بعد قليل.. يتكلم لغتك.. بلهجتك.. بنفس طريقتك في الضغط على بعض الحروف.. وبنفس طريقتك في استخدام عضلات وجهك في الابتسام.. سيلقي تحية الصباح بنفس اللكنة.. بصوت أحزانك وأفكارك وآمالك!.. ثم يمنعك من إخلاء الطاولة.. وقد يعرض عليك فنجان قهوةٍ وحديثًا عابرًا..
وحينما يحدق في ملامحك يقوم بتخمين اسم عائلتك.. وحينما يخطئ ويعرف الصواب يسألك عن فلان.. “بقربلك؟” ويخبرك بحكاية أو حكايتين بينما يُعد هو القهوة وتعُد أنت تجاعيد وجهه..
وقد يتضح لك أنت أيضًا أنك تعرف الكثير عنه.. وقد تتحدثان في أشياءَ لا يفهمها على وجه الأرض سوى سكان هذه الأرض!.. وريثما ينتهي الحوار تكون قهوته قد نضجت.. وقد تعرض عليه بعد هذا التعارف الطويل ثمن فنجان القهوة فيغضب.. وتمضي في حال سبيلك كأنك كنت مع نفسك.. إذ لا فرق بينك وبين أحدهم في الحزن والمصير.. إنه يتكلم لغتك.. بلهجتك.. بنفس طريقتك في الضغط على بعض الحروف.. وبنفس طريقتك في استخدام عضلات وجهك في الابتسام.
مقهى في ميناء غزة.. اليوم.
محمد العُكشية
٢٧/٢/٢٠٢٥


