نفسي قبل ما أموت، أشوف “شارع واحد” منور بالكهرباء مثل زمان.. نفسي أحقق أمنيتي وأمشي بشارع بعد المغرب بدون هذا السواد المظلم الذي يخنق روحي.
لماذا حكمتم علينا أن نعيش وكأننا في العصر الحجري؟ ينتهي يومنا مع غروب الشمس، ونجلس وسط ما تبقى من ركام منازلنا، أو في الخيام، نعيش حياة “الأدغال”، لا نرى إلا العتمة، ولا نسمع سوى صوت الطائرات المسيرة، تحوم على ارتفاع منخفض، نتخيلها تغدر بنا في أي لحظة، ونرسم سيناريو الهروب من جديد، لكن هذه المرة لا نعرف إلى أين.. “الهروب إلى العراء”.
نفسي ببيت فيه ضواي، بصوت غسالة وخلاط، اشتقت للدفاية، لتحميص الخبز عليها أو حتى على الميكرويف.. مش راح تفرق.
نفسي أقعد في الصالون، مع العائلة، نشغل التلفزيون، نمسك باكيت المكسرات، ونشاهد فيلماً.
نفسي أشغل “سخان المي”، وأخذ دشاً دون أن يرتجف جسدي من البرد.
نفسي أفتح ماسورة المي مثل البشر، بدون عدّ القطرات، بدون أن أقسمها بين دقائق وساعات اليوم.
نفسي براوتر، بأي شيء فيه “إنترنت”، نفسي موظف الاتصالات يقول لي: “عيد تشغيل الراوتر”.
نفسي أسمع صوت المكنسة الكهربائية، وأوعدكم لن أنزعج منها هذه المرة، سأراقبها وهي تتجول في البيت، تصدر صوتها المزعج وكأنها تعزف لحن الحياة.
نفسي أشحن اللاب توب في أبريز البيت، نفسي أشحن جوالي بيدي، نفسي أشوف بيتي منور بالكهرباء.
نفسي ألبس ملابسي القديمة، نفسي أرتدي شيئاً مكويًّا، وهذه المرة لن أنزعج لو تجعد قليلاً في الطريق.
نفسي أمشي في شوارع لا تملؤها الأنقاض والغبار والصرف الصحي، شوارع نظيفة مثل زمان، فيها أسفلت، فيها جزيرة مشاة، فيها أعمدة إنارة وإشارات مرور.. يعني “شوارع مثل الشوارع”.
نفسي أوقف سيارة بالطريق توصلني إلى عملي بكل هدوء ونظافة، دون أن أخوض رحلة العذاب اليومية بين الركام وانتظار أي وسيلة نقل، ودون الحاجة لميزانية “مال قارون” لأصل إلى مكان عملي.
نفسي أذهب إلى مقر الشغل، أصعد المصعد، ولن أنزعج إن انقطعت الكهرباء.. سأصعد الدرج، يكفيني نعمة الدرج والطوابق، ونعمة العمارات، ونعمة الشبابيك الزجاج والدرابزين والبلاط النظيف.
نفسي أدخل مكتبي، أشغل المكيف، أضع اللاب توب على الشاحن وأعمل دون أن أفكر بالكهرباء، أو الإنترنت، أو الغاز الذي سأستخدمه لتحضير كوب قهوتي.
نفسي وأنا عائد للبيت أنزل إلى “المول”، أشتري حاجيات المنزل دون أن أفكر كم تضاعف سعرها، أن أتسوق مثل البشر، لا أشعر أنني في بورصة تتغير أسعارها مع كل خبر عن المعبر.
نفسي أملأ السلة كما كنت أفعل سابقًا، لا أن أخرج بباكيت واحد ثمنه “ميزانية دولة”.
نفسي أدخل الاستوديو الذي كان في شقتي، أغلق باب غرفة العزل، أشغل الإضاءة والكاميرا، وأبدأ التصوير مع كوب قهوة مرتب. وأوعدكم هذه المرة لن أتذمر إذا انقطعت الكهرباء في منتصف التصوير، سأنتظر دقائق حتى يعمل خط المولد، وسأكمل دون أي تأفف.
نفسي، ونفسي، ونفسي… آه.
لكن لا تقلقوا.. غزة تعافت، الأمور تمام التمام.
وأخيرًا، كان نفسي أنشر هذا المنشور لحظة كتابته، لا أن أنتظر شروق الشمس حتى أذهب إلى مقر “طاقات”، أشحن هاتفي، وأشبك بالإنترنت..
“طاقات” التي زرعت في قلبي القليل من الأمل لي وللكثير من شباب “الفري لانسر”، وسط هذا البؤس.
لذلك، لا أحد يسألني بعد اليوم لماذا لا أنشر شيئاً مساءً.. لأنني بعد انتهاء دوامي في “طاقات”، أعود إلى ما تبقى من شقتي، أجلس أتأمل السقف، وأنتظر الشمس لتشرق من جديد.. فنحن أصبحنا مثل ألواح الطاقة الشمسية، نعمل ونعيش على نور الشمس، وإن حجبتها الغيوم، اختفينا حتى إشعار آخر.
نفسي أكتب أشياء كثيرة أتمناها، لكن شحن الهاتف الآن 8%، وعليّ أن ألحق أتوضأ وأصلي الفجر قبل أن ينطفئ آخر ضوء في “اللدّة”..
يلا، سلام.
5:00 صباحًا.
سامي مُشتهى
٣/٣/٢٠٢٥


