"رَمضان"  |

“رَمضان” 

كَثيرَةٌ هِيَ الذّكريات الرّمضانيّة في القُدس. ليسَ أوّلها صَوت المسّحراتي ساعات الفَجر وهو يقرع على طبلته مُعلِناً حلول موعِد السّحور ولا آخرها مَشهَد طابور المُصطَفين أمام مَحل “الأرز” لِشراء القَطايف ساعات بعد الظّهر. فبَينَ هذا وذاك تُستَحضَر حَكايا رُغمَ بَساطتها إلّا أنّها تستأهل أن تُروى لما تترُكه فينا من أثر وواحدة منها تلك التي جَمعتني بأم خليل.

كانَت “أم خليل” إحدى جارات الحَي. عِشرة عُمر جمعت بينها والوالدة قبل يوم مولدي بسنوات واستمرّت إلى ما يُقارب عقداً من الزّمن بعدَه، أي إلى ذاكَ العام الذي انتقلت فيه أم خليل إلى جوار ربّها وهِيَ في ثمانينيّاتها.

تعرّفت إلى الحجّة في طُفولتي المبكرة حيثُ كانَت الوالدة تَصحبني معها لزيارتها. لم تَقطع أم خليل فَرضاً لكّنّها لم تعتقد يوماً أن الإيمان يُختَزَل بالصّوم والصّلاة. فالدّين برأيها يظّل ناقِصاً طالَما لم تكُن بوصلة المؤمِن الأخلاق والصّدق والاستقامة.

في كُل مرّة كانَت تُعِد أم خليل وجبة العكّوب الشّهيّة في “الشّهر الفَضيل” كانَت تُصّر على دعوتنا للإفطار معها وابنتيها اللّتين لم تتجاوزا الثّلاثين رَبيعاً. بفضل أم خَليل تعرّفنا على العَكّوب. والعَكوب في فلسطين كانَ  نادراً ما يتوّفر في تلك الأيّام. هذا عدا عن أنّ تحضيره قبل الطّهي وفصل الأشواك عنه عمليّة مُعقّدة وتتطلّب جُهداً ووقتاً كبيرَين.

على الرّغم من فارِق السّن بيني وبينَ أم خَليل إلّا أنّني كُنتُ أفرَح بدعوتها لنا أكثر من أمّي. رُبّما لأنّني كنتُ أرى في وجهها الطّاهر تلك الجدّة الحَنون التي تغمُر أحفادَها بِحُبّها وَعطفها وَحنانها. أجلِس إلى جوارها عندما يحّل موعِد الإفطار بينما هِيَ تُحاوِل أن تزَج بمعلقة الأرز واللّبن في فَمي الصّغير.

لم تكُن أوضاع أم خليل الصّحيّة في أحسن حال بسبب كبر سنّها. كما أنّ حركتها كانَت ثَقيلة. فأعباء الحياة وتعقيداتها في ذاك الزّمن كثيرة. على الرّغم من هذا وذاك إلّا أن موعِد الصّلاة بالنّسبة لها كانَ مُقدّساً. تنهَض من على مقعدِها، تستَنِد إلى عُكّازتها الخشبيّة، تستأذن بلُطف من ضيوفها وتدخل إلى غُرفتها بهدوء لبضعة دقائق لتُؤدي فريضة الصّلاة. من ثمّ تَعود لتجلس معهم. تَسألني من باب المُداعبة في كُل مرّة قبل أن تبدأ صَلاتها إن كُنت أرغَب مُرافقتها إلى الغُرفة والصّلاة بجانبها. أُجيب فوراً ودونَ تردّد بِنعم. تُحضر لي تنّورة بيضاء طويلة وغطاء للرأس ومن ثمّ أقِف بِقُربها ونبدأ بالصّلاة معاً.

كانَت الصّلاة إلى جوار أم خَليل بالنّسبة لي كطفلة لم تجاوَز عامها الخامِس مُغامرة استكشافيّة شيّقة. لم أكُن أدريِ ما الذي كانت تُتمتِم به إم خليل أثناء الصّلاة ولكّن لم يفُتني أن أقلّد كُل حركة تقوم بها سواء بالرأس أو الأصابع أو اليَدين أو الشّفتَين. أقِف تارةً وأركَع أخرى. أحني الجُزء العُلوي من جسدي إلى الأمام مرّة وأستقيم ثانيةً…أُدير وجهي إلى اليمين ومن ثمّ إلى اليسار في الخِتام وَأدرِك مع هذه الحركة بأنّ الصّلاة أوشكَت على الانتهاء. من ثمّ تمسِك أم خليل بيدي ونعود معاً إلى غُرفة الجُلوس لنُتابع أحداث أحد المُسلسلات الرّمضانيّة على شاشة التَلفزيون الأردني. نقضي سهرة جميلة ومن ثمّ أعود ووالدتي إلى البَيت. أدخُل فِراشي وأغرق في نومٍ عميق لأصحو بعد مُنتصف اللّيل على فصلٍ جديد من فصول مُغامراتي الرّمضانيّة.

ها هُوَ صوت المسّحراتي يقترب شيئاً فشيئاً. يقرَع على طبلتِه تارة وتصدَح حُنجرته تارةً أخرى بعِبارة “يا نايِم وحّد الدّايِم”. كانَ يُفزعني الصّوت للوهلة الأولى لكّن سَرعان ما أَفِز من سريري بحماسٍ. أتسلّل إلى النّافذة المُطّلة على الطّريق العام في غُرفتي المُظلمة. أفتح طَرف السّتارة وأترقّب مُروره أمام البيت. وبعدَ أن أحقّق مُرادي أعود إلى السّرير وأغرق في النّوم من جديد.

في الصباح أنهض من فِراشي وقد عقدتُ العَزم كما في اليوم السّابق أن أصومَ تَضامناً مع رِفاق اللّعب في الحارة. يتكرّر الوَعد يَوماً تلو اليوم على مدار الشّهر بأكمله إلا أنّ كُل مُحاولة يوميّة على الصّمود كانَت تنتهي بالفشل. فلا تَكاد تَمُّر ساعات على “صِيامي” في الصّباح حتى “تبدأ عصافير بطني تُزقزق” مُطالبة بالطّعام ويتغلّب الجوع على إرادتي. أُطأطىء رأسي أمامَهم وأرفع الرّاية البيضاء مُعلنةً استسلامي. مِن ثمّ أهروِل إلى المَطبخ حيثُ الجدّة أم حنّا أعدّت لي فُطوري المعهود. التَهِمُ البيضتَين اللّتين أغرقتهُما بالسّمن البلدي وقَلَتهُما لي خصّيصاً على البابور على طريقتها الحلبيّة وأخرج للّعب مُجدّداً مع أصدِقائي في الحديقة.

لم يكُن يبعُد بيت جدّتي لناحية الوالد سوى أمتاراً عن بيتِنا، ولطالما كنتُ أقضي الفترة الصّباحيّة أيّام العُطَلة المدرسيّة الصيفيّة عندها إلى حين عودة الوالدَين من عملهما. أمّا الجد أبو حنا فلم يتسّنَى لي التعرّف إليه. فقد رَحلَ عن هذا العالم قبل مجيئي إليه بأسبوعٍ واحد فقط. هذا كما نُقِلَ لي على لِسان الباقين من بعدِه.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة