هل أدركت؟! |

هل أدركت؟!

بعد عام ونصف من القهر، أدركتُ حدَّ الاستسلامِ أنّهُ لا يُوجدُ أداةٌ لتعذيبِ الإنسانِ مثلَ كَسْرِ خاطرهِ وإذلالهِ عندَ المُطالبةِ بحقهِ في الحياة، فهوَ أمرٌ يُمرضُ الجسدَ ويُنهكُ الرّوح، ويُشعرُ بالدّونيةِ في عالمٍ يَدّعي الإنسانية.
فهل أدركت صديقي المتفائل، الأقربُ منّي إلى الله، والأكثرُ تسليماً بقضاءِ اللهِ وقدره، يا من ترى في موتي نجاة للعالم وصكا لدخول الجنة، أننا أصبحنا نطيل النظر في عيون أطفالنا كل يوم لعلها تكون النظرة الأخيرة؟
هل أدركت أننا أصبحنا أرقاماً دونَ أسماءٍ ولا ألقاب، أصبحنا كنائسَ مهجورةً يمرُ عن بابِها المؤمنونَ دونَ أنْ ينخزَهُم الخوفُ مِن الله؟
هل أدركت أن حياتنا تَنعفُ بجشعِ تُجارِ الحُروب، والتّفكيرِ الّذي لا ينقطعُ بماذا سيأكلُ الصّغار، وكيف سيمر عليهم العيد وهم جياع لكل شيء؟
هل أدركت كيف أصبحنا أسرى الطّوابيرِ أمام المخابز وسيارات المياه، وأمامَ الحماماتِ العامة والتكيات؟
هل أدركت أن نعيش حياة يبدو فيها كلُّ شيءٍ كئيباً ولئيما: رغيفُ الخُبزِ الجاف، وعلبةُ السّردين، المخللات المسمومة، كراتينُ المُساعداتِ المُهرّبة والمخصصة.
كرهنا سؤال: كيفَ الحال؟
أيُّها النّقيُ العاجز، لا تدعونا إلى الصّبرِ والصّمودِ الّذي نعرفهُ جيداً، ولا تُحاولْ أنْ تُجمّلَ واقعنا المُقززَ بعباراتِ تخزينِ الكرامة، لا تُلقِ النّصيحةَ على مَن في البئرِ فتكونَ كمَن يرجمُه، ولا تسألهُ كيفَ سقطَ فتكونَ كمَن يُحاسبه ويجلده، إمّا أنْ ترمي لهُ حبلاً ودلواً لتُخرجه، أو اتركهُ يموتُ بخذلانكَ له.
#كم_موتا_يريدنا؟
د. محمود عسّاف
٢٧/٣/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading