أشتاقُ إلى بيتي، وإلى يومٍ قديمٍ من حياتي الماضية.
حين كُنتُ أعودُ إلى المنزل غاضبةً لسببٍ تافهٍ جدًا. أَصرخُ وأثورُ على كلِّ مَنْ فيه.
أخلعُ عنّي ثيابي وأقفُ تحتَ المياه الساخنة حتى يزولَ غضبي.
أندسُ في غرفتي، وأغوصُ بِأفكاري وعذاباتي التي كنتُ أظنُّها أعصى شيءٍ في الوجود، ثم أتساءل: ماذا أشربُ الليلة؟ قهوةٌ أم نيسكافيه؟
يناديني أبي: “هيّا، ضعي لنا مسلسلَ ‘ليس سرابًا’ لنشاهده سويًّا!”
أركضُ إلى المطبخِ لِاُعِد القَهوة بِشغفٍ. أرفعُ الركوةَ، أقتطعُ الرغوةَ وأضعُها في الفناجين، ثم أعيدُ غليَها، فتفورُ فجأةً. وأسمعُ أبي يَشتمُني من بعيدٍ… فأضحكُ! أردُّ عليهم صارخةً: “لا تشاهدوا حتى الشارةِ قبل مجيئي!”
نتكورُ تحتَ الأغطية. نَخوضُ نِقاشاتٍ حاميةً عن شخصيات المُسلسل جَلال وميشيل.
تَنهَمِرُ الدّموعُ من عينيّ عند موتِ جلال المفاجئ…
يتسلل إلينا فلفول كفراشة! يَنثُرُ دِفأه بين طيّات الأغطية. يَهجُم على هذا بِخفّهٍ ويُقبِّلُ ذاكَ بأنفهِ البارد، ثُمّ يَقفز فجأةً يُشبه كومَة قطنٍ. أَمدُّ يَدي إلى علبة “التريت”. يَتحوَّل من كتلةِ طاقةٍ إلى سَيلانٍ من الحنان! يَدورُ حولنا كالدّوامة الهادئة. يَدُسُّ رأسَه في أكفّنا كطفلٍ مُتوسّل، حتى ينال ما يريد. ثم يتكوَّر بيننا كشمسٍ صغيرةٍ تبحث عن سُبات!
تنتهي الحلقةُ الأخيرة، نتشاجرُ: مَنْ سيقومُ من تحتِ اللحافِ لِيطفىء التّلفاز؟
ثم نَنتقلُ إلى نقاش موضوع العشاء المتأخر بعد منتصف الليل.
نتسابقُ إلى المطبخ. نُعدُّ شطائرَ الجبنِ المحمَّصةَ وأكوابًا لا تنتهي من الشاي، بينما يملأُ الضّحكُ أرجاءَ المكان.
بعدها نتّفرّق في البَيت ويَذهب كُلٌّ منّا إلى سريره.
الآن… لا أحدَ بجانبَ أحد.
فرَّقتْ بيننا الحياةُ ونحنُ في قلبِ المدينةِ نفسها.
لم يَعُد لنا بيتٌ ولا حياةٌ… لا أمانٌ ولا طعامٌ ولا شرابٌ.
كلُّ ما بقيَ أن نَتجرّعَ الحسرةَ على أيامنا الضائعة، وهي تتبددُ أمام أعيننا.
أسيل المنسي
غزّة 9/4/2025


