شذرات من شبه حياة وشبه موت  |

شذرات من شبه حياة وشبه موت 

أعيش في قبو الأرض، حيث لا بيوت ولا بنايات، لا دكاكين ولا أسواق، لا رغيف خبز ولا شيء… إلا الموت. أرضٌ وعرة، تزلُّ بي مع كل خطوة. ظلام دامس يخنق الأنفاس، نحن محكومون بالأعمال الشاقة في هذا القبو السفلي، وحظك من الحياة – إن لم تمزقك شظية – هو مقدار ما تستطيع من الألم أن تتحمل. أسمع العالم من وراء الجدران، كأنه حلم لا أستطيع أن أناله. خطواتهم تدق فوق رأسي كالمطرقة، فألصق أذني بالأرض الرطبة: أصغي لضحكاتهم المبعثرة، لوقع أقدامهم وهم يتهادون في الشوارع بلا خوف من قصف أو غارات. يخرجون حين يشتهون، ويعودون مع الفجر وهم يترنحون من الفرح. عند الفجر، أشم صحوة الحياة هناك… ماذا يحدث؟ أتعلق بحديدة صدئة وأقبض على السقف بكل قواي: تفوح روائح القهوة والبيض المقلي، وأسمع همساتهم وهم يوقظون الصغار. أحدهم يقلب الفطائر، وآخر يغني وهو يعد الشاي، وثالث ينادي الجميع إلى المائدة. أحاول خدش السقف بأظافري، لعلي أستطيع أن أنضم إليهم، لكن صراخي يغيب في الفراغ. في الظهيرة، أسمع فتاة تتحدث إلى بائع الكتب عن روايات تشبه تلك التي حلمت بقراءتها يوم نخرج من هذا القبر. ثم تعود الروائح… لكنها مختلفة هذه المرة. أتنشق بعمق، وأجول في زوايا القبو كالجرذ الجريح، ثم يندفع الصراخ من أعماقي: “يا أمي! هذه رائحة كعكة البرتقال!” وانفجر باكياً. أعود إلى دفع العربة الصدئة، وفي تلك اللحظات المسروقة حيث أتلقف أنفاس العالم، أخدع قلبي بالهمس: “يومٌ ما… سأعيش كما يعيشون.”

أسيل المنسي. 

غزّة

12/4/2025

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading