لطالما كان فعل الاشتياق مؤلما، لكن يبقى دائما هناك أمل في معاودته، أي أنك حين تشتاق شخصا، يبقى لديك شغف لقائه ثانيةً، وحين تشتاق مكانا، يظل لديك شغف زيارته، أما في حالتنا هذه، يبقى فعل الاشتياق هكذا عالقا في صخور من الماضي، فكل ما نشتاقه ذهب دون عودة.
وتبقى ذاكرتنا شاهدة على عظيم خسائرنا، شاهدة على شارع عمر المختار قبل الزلزال، شاهدة أيضا على حارتنا الأولى هناك في الشابورة، حيث لم يبقى منها سوى اسمها وكثير من ركامنا، وشاهدة على رائحة العطارة في سوق الزاوية. يسألني ابني هل تعود البلاد كما كانت؟ أجيبه كذبا أنها تعود، فكيف أخبر عقله الصغير أن كثيرا من أحبابنا لن يعودوا، وأن شوارعنا وأماكننا المفضلة، دبيب خطواتنا ولهفاتنا، ورود شوارعنا وأسواقنا كلها ذهبت.
قبل سنوات قابلت رجلا فقد منزله في حرب سابقة، قابلته في بيته الجديد حيث تم إعماره بطريقة حديثة وجميلة، لن أنسى دمعه حينها، ولما سألته ما الذي يُبكيك رغم أن بيتك قد تم بناؤه من جديد، أجابني حينها بجملة لن أنساها: أنا بدي بيتي القديم بعيوبه، بالحيطان اللي مشخبط عليها أحفادي، هاد البيت يا ابني حلو بس ما بحبه، لأني مليش ذكريات فيه.
هكذا هي بيوتنا وأماكننا، كنا نربي فيها ذكرياتنا، لم تكن مجرد جدران ولا حجارة، لقد هدموا ذكرياتنا.
كريم أبو ضاحي
١٦/٤/٢٠٢٥


