أوصتني فاطم بنعيها، وهذه مهمة ثقيلة، لا توفيها كل النصوص.
لا أصدق رحيل فاطم، ولا أن هذه المدينة ستفقد صوتاً من أصواتها الواضحة.
لا أصدق، لأنها تليق بالحياة أكثر، وبأحلامها التي ترسمها خطوةً خطوة، صورةً صورةً، قصيدةً قصيدة، أغنية أغنية، نعم، كانت هي الصورة والقصيدة، وصوت عصفورة تطل من الصباح.
لا أصدق، وأتذكر يوم التقينا في الإبادة بعد مدة طويلة، وحديثنا عن غزة التي نحبها بلا سبب، بلا مبرر، ودون أن نفهم، لماذا نحب مدينة نُقتل فيها كل يوم.
مشينا في سوق “الصحابة” مع أحد الأصدقاء، وقالت تمازح “صار عندك وكيلة أدبية يا حيدر، بدنا التحلاية” ولم أجد حينها إلا أن نشرب البرّاد، كنا في مجاعة، فوقنا طائرة، نشرب البراد، ونمشي كأننا نمتلك العالم.
أتذكر يوم زارت بيتنا في الإبادة لتصوّر قصةً صحفية عني، جلست في بيتنا، جلست مع أمي طويلاً، ثم وعدتني أنها لن تكون الزيارة الوحيدة، “فاطم” لا زلتُ أنتظركِ.
لا أصدق رحيل “فاطم”، أقلّب حديثنا الذي يأخذ معانٍ جديدة، وجدتُ رسالةً تدعو لي فيها: “يارب اشوفك فوق فوق واحكي لولادي عنك واقللهم كونوا مثل حيدرا”
لم يكن مهماً أن يكونوا مثلي، حدقت طويلاً في كلمة “أولادي” ورأيت أماً تعلّم ابنها الحياة، تحبّ أن تلتقط له صوراً استثنائية، لعيد ميلاده الأول، وخطوته الأولى.
تحب أن تصوّر الأيادي ولذلك متأكد أنها ستصور يده وهي تعانق يدها في الطريق.
أحدّق في كلمة أولادي، وأتخيل كم سيكون الهواء أخضر بضحكتها وهي أم، كم سيكون قلبها سعيداً مع خطيبها والحب الذي لم تسمح الإبادة له أن يكتمل، أتخيل كم سنظلم فاطمة حين لا نعتبر رحيلها بحد ذاته، بكل ثقله، بكل جروحه، بأطفالها الذين لن يجيئوا، وبحبها الذي انكسر، لا أتخيل كم سنظلم فاطمة حين لا نعتبر رحيلها بحد ذاته مجزرة.
فاطمة جزء من جيل كبير في غزة يودّع نفسه، صنعته الحياةُ على مهل، ويعرف ما يريد جيداً، لم يسمع صوت طائرة إلا لتقصفه، ولم يعرف معنى أن يسافر سوى أن يغمض عينيه أمام البحر، فينا الشاعر والفنان والمصور والمغني، نملكُ طاقة تبني جمالاً وفيراً لعالم لم يكن عليه إلا أن يلتفت، ليرى كم أننا نشبهه.
_ هناك من تعرفونه وهناك من لا تعرفونه وأعدكم أنني لن أنتظر رحيلهم حتى تتعرفوا عليهم_
الأرضُ تخذلنا، تقتل الأحلام فينا، فنكتب الوصايا كما لم يفكر ستيني في مكان آخر من هذا العالم. ونقول ما تقوله فاطم: “ربما تكون النجاة في ألا ننجو يا حيدرا”
قتل الاحتلال الإسرائيلي فاطمة وعشرة أفراد من عائلتها، بطريقةٍ وحشيةٍ، لأنها تحلم، لأنها تضحك، لأنها حقيقية، لأنها تصوّر، وتكتب وتغني، ليس إلّا.
حيدر الغزالي
١٦/٤/٢٠٢٥


