الهِجرة كمَطلَب للنجاة |

الهِجرة كمَطلَب للنجاة

في كل مرة يفتح فيها النقاش عن الهجرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتضح أن الأمر لم يعد محصورا في بعدها الجغرافي أو القانوني، بل أصبح الهروب ذاته فعلا معنويا يتكثف في الوعي قبل أن يتحقق على الأرض، هذه الرغبة الملحة، التي تتجلى في تتبع وتداول طرق المغادرة، يمكن القول انها تعتبر عن تهيؤ جمعي للانفصال عن المكان – كمان مرة ومن الاخر: وكأننا أمام لحظة سيكولوجية جماعية تسرع فعل الهجرة وتراكم المخيال حول جدواها.
الهجرة لم تعد قرارا، بل اصبحت تعبيرا عن الفقدان المعرفي والمعنوي العميق، حيث يتحرك أي انسان بدافع النجاة لا القناعة، في فضاء قطاع غ-زة لا يضمن كرامته ولا يؤمن له معنى للبقاء.
لقد فقد جزء كبير من الشباب ثقته بالخطاب الوطني المحلي والقوى الفلسطينية – وهذا حقهم – وباتت سرديات الاحتل/ل هي مصدر المعرفة والأخبار، لا بفعل القناعة بل بفعل ما يمكن تسميته بـ”التفريغ المعرفي” (Cognitive Offloading)؛ أي إحالة الفهم إلى أدوات استعمارية تهيمن على البنية التحتية للإعلام والمعلومات. أصبح الاحتل/ل لا يكتفي بالتحكم بالأرض والسماء، بل بات يتحكم أيضا بإنتاج المعنى وإعادة تشكيل المفاهيم، في وقت ينهار فيه الخطاب المحلي اللاموجود اساسا أو يفرغ من محتواه، وهكذا يصبح طرح الهجرة هو “الخطاب” المتبقي.
الأزمة الحقيقة الان ليست بالاحتل/ل، إنما بالمفاوضين والفاعلين والقوى السياسية الفلسطينية اجمع، حين يكثر الحديث عن السلاح والبقاء والمفاوضات، يجب أن نتذكر أن القيمة الحقيقية ليست في هذه التقنيات ولا في المعادلات السياسية، بل في الإنسان ذاته؛ حين يصبح الحلم الوحيد المتاح هو الخروج من الأرض، فذلك لا يعني فقط انهيار القضية، بل انهيار معنى القضية وربما دون إعلانه، وهكذا يكون أعظم ما سلم في هذه الحرب هو الإنسان ذاته، لا السلاح أو الاسرى. الخلاصة لا حاجة لمفاوضات الان، يجب انهاء الإبادة باي ثمن !
ملاحظة مهمة/ لا يمكن بحال من الأحوال لوم الضحية المهمشة التي تساق نحو الهجرة أو الانهيار؛ فالإنسان في غ-زة لم يُمنح سوى خيارات الاندثار أو التيه والموت من غير ذكرى.
علي عبد الوهاب
٢١/٤/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading