أسماء على أطراف |

أسماء على أطراف

ذات نزوح، وخلال سيري في شارعٍ يؤدي إلى مقبرة، مرّت جنازة. كان الرجال يحملون على أكتافهم نعشًا فوقه أكياس بيضاء. قريبًا جدًا من الجنازة، دوّى انفجار قصف، فهاج الناس وماجوا، وسقط النعش وتناثرت الأكياس على الأرض.
انفجر أحدها، وبرزت منه ساقٌ بشرية صغيرة، مكتوبٌ عليها بخط عريض اسم الطفلة ثلاثي. كانت تُسمى “إلهام”. ما زال الاسم عالقًا في قلبي، والصورة تحفظ نفسها في مكانٍ ما، في ذاكرة الألم.
في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة، كنت أشارك الطريق مع أبٍ يحتضن أطفاله الثلاثة الذين لم يكفوا عن الحركة والصراخ. كان من السهل عليّ، كأخصائي في الصحة النفسية، أن أفهم أنهم مصابون بالتوحّد. نظرت إليه وأشرت له: “لا عليك، دعك منهم.”
ما لفت انتباهي أن الأب كتب أسماء أطفاله على معاصمهم وسيقانهم الصغيرة، إذ كانوا يرتدون سراويل قصيرة. لاحظ الرجل أنني التقطت هذه التفاصيل، فابتسم ابتسامة باهتة، وقبّل أصغرهم، مصطفى، وقال بهدوء:
“الدنيا حرب، وفجأة تأتي شظية أو قذيفة، فيصبحون أشلاء. كتبتُ أسماءهم على أجسادهم… لكي أجمعهم إذا صاروا أشلاء.”
ثم رفع عن بطن طفله الأوسط، وواصل حديثه بينما مسح بيده على اسم “أحمد”.
يحضرني الآن موقف ثالث، في العيادة التي أعمل بها. وقفت سيدة تنتظر على شباك صرف العلاج، كانت تحمل بين ذراعيها طفلها، وقد كُتب اسمه “محمد” بخط رصين، وباللون الأزرق، على ذراعه.
لا أدري كيف تخيّلتُ الساق الصغيرة تطير في الهواء وتسقط أمامي، فأتعرف عليها… إنها ساق أحمد، الذي كانت أمه قبل قليل تصرف له مكمّلًا غذائيًا لعلاجه من الجوع. لكن الحرب قررت أن “تعالجه” بطريقة أخرى.
في العادة، يسعد الآباء وهم يخطّون أسماء أطفالهم على الدفاتر، أو الألواح، أو خلال جلسات اللعب، أو على فاتورة حسابات العيد، أو حتى في رسالة الحب السنوية يوم أعياد ميلادهم.
لكنني ما زلت عاجزًا عن تصوّر شعور الآباء حين يكتبون أسماء أطفالهم على أعضائهم الصغيرة… كيف يفكرون؟
هل يتخيّلون الساق أو الذراع وقد انفصلت عن الجسد المفقود؟
أن تحصل على شيء من جسد طفلك… أفضل من لا شيء؟
“إنه خطي، أعرفه، هذه ساق مصطفى! وهناك ذراع أحمد!”
ماذا لو سأل الطفلُ والده: “لماذا تكتب اسمي على ذراعي؟”
هل هناك طريقة لشرح كارثة بهذا الحجم للصبي؟
أيتّسع قلب صغير، بحجم راحة اليد لكل هذا الألم؟!
تعبتُ من الكتابة… اللعنة على الحرب.
والسلام على الشهداء، والأشلاء، والآباء الصابرين.
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين
٢٩/٤/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة