أنا عماد غانم اليوم، طعميت أولادي خبز من طحين فاسد، وأنا عارف إنه فاسد وريحته طالعة. شميت الريحة من أول ما فتحت الكيس، كانت خانقة، فيها شي متعفن، بس سكرت الكيس بسرعة وكملت كأني ما شميت شيء.
ما كان عندي خيار، مش لأني مفلس، لا، معي شوية مصاري بس كل الخزائن فاضية، وكل المحلات أرففها فاضية وما في إشي ينشرى والأسواق صارت أشبه بالمقابر، والمصاري صارت ورق بلا معنى.
فتت عالمطبخ وقلبي مقبوض، عجنا الطحين بمي باردة، والريحة لسه معلقة في أنفي.
الخبز طلع ناشف، غريب لونه، بس لما ناديتهم، ركضوا كأنهم رايحين على عيد. محمد ضحك، قال: “يسلموا إيديك يا بابا!”، وعمر غمس الخبزة بزيت قديم، وما اشتكى. البنات أكلوا وسكتوا، كأنهم فهموا، كأنهم عارفين إنو مش وقت السؤال.
قعدت أتفرّج عليهم، وكل لقمة كانوا ياكلوها كانت تخز قلبي. أنا أبوهم، المفروض أطعمهم أكل نظيف، بس شو أعمل؟ هالبلد خنقتنا، والاحتلال سرق لقمتنا من زمان.
يمكن يمرضوا، ويمكن لا. بس أنا متأكد إنو هالوجبة عمرها ما رح تنمحى من ذاكرتي… ولا من ذاكرتهم.
مش لأنه الطحين فاسد، بل لأنه الظلم فاسد، وممتد بعمق في كل شيء حوالينا.
هل انتهت القصة !؟
عماد غانم
٦/٥/٢٠٢٥


