أصبَحَ البيتُ ذِكرى |

أصبَحَ البيتُ ذِكرى

قبل عامٍ مضى، بينما كان الغزو البري يجتاح جباليا للمرة الثانية، وقفنا أمام قرار النزوح فنحن في أطراف المخيم، بعيدين عن مرمى النيران. قلنا: “لن نرحل”. ثلاثة عشر يومًا تحول بيتنا إلى حصنٍ من الرعب. انفجارات لا تتوقف، بيوتٌ تتهاوى مثل أوراق الخريف، وجيرانٌ يتحولون إلى شهودٍ ثم شهداء. حتى جاء دورنا. عندما دكت القنابل سقف عالمنا، تحاصرنا الرعب في غرفةٍ واحدةٍ، آمنّا لوهلة أن جدرانها الهشة قد تقينا. انتظرنا الفجر وكأننا ننتظر قطرة ماء في الصحراء، كل دقيقة تمر كأنها سكين في القلب. وعندما بزغ الضوء، خرجنا.. دموعنا المالحة تختلط بعرق الخوف، رائحة البارود تخنق أنفاسنا، وأصوات الانفجارات ما زالت تدوي في آذاننا. توجهنا إلى الصفطاوي خطىً ثقيلة، بينما ظل قلب أبي يرتعش هناك، في تلك الغرفة التي روت بدمائنا جدرانها، والتي شهدت أول خطواتنا. كل يوم، تحت وابل النار، كان يعود إليها كشبحٍ يبحث عن روحه بين الركام، يحفر بأنامله الدامية لاستخراج ذكرياتنا من تحت الأنقاض. ثم انتهت العملية العسكرية.. عدنا. احتضنتُ الجدران، ضممتُ كتبي، غرقتُ في سريري الدافئ رغم الزجاج المتناثر والفوضى التي تنتظرنا. حتى “فلفول”، قطنا، كان يعدو في كل ركن من أركان المنزل، كأنما يحاول أن يتأكد بأنه عاد حقاً.. عاد إلى بيته. لقد كان انتماؤه لهذا المكان أشبه بحنين البشر لأوطانهم، عميقاً لا يُشرح، صادقاً لا يُختزل. والآن.. يعود الموت إلى هناك، لكننا غُرباء. بيتنا صار ذكرى، وصوت أبي الجهور انحسر، وضحكاتنا التي علقت في الزوايا صارت أشباحاً. اقتلعونا من تربتنا كما تُقلع شجرة عمرها مئات السنين.. بلا رحمة! لكن كيف لا ينبض الحنين فينا؟ كيف لا نذوب شوقاً لحجارةٍ عرفَتْ دَفْءَ خطواتنا، شاركتنا رعبنا، وربما بكَتْ معنا؟ كل ذرة تراب هناك.. كانت تُحبنا أكثر مما نستحق!

أسيل المنسي 

14/5/2025

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading