رَحمَةُ اللّه على الوالدة. لَقد كانت مُرافقتُها إلى السّوق نهاية الأسبوع مُتعة ما بعدها مُتعة، وإن كانَت أحياناً مُتعِبَة. السّوق في القُدس يُطلَق في العادة على البلدة االقَديمة، داخِل السّور. هُناك، حيثُ تَزدحم الحواري والأزّقة والأحياء بأهلِها وبالزّوّار وبالسّائحين وَبسطات بَيع الخُضار والملابس والسّكاكر وألعاب الأطفال. هُناك، حيثُ تَصدح حناجر الباعة المُتجوّلين وحيثُ “يُغّني كُلٌّ منهم على ليلاه” لِجَذِب أنظار المارّة وتَرويج بَضائِعهم.
كانت الوالدة، وهِيَ ابنة القُدس أباً عن جَد، تُدرك تماماً قوانين اللّعبة السّائدة في السّوق جيّداً. تُجيد إبرام صفقات شِراء البندورة والخيار والبطاطا بذكاءٍ شديد وَبِأقل الأثمان. تَرفع سَقف المُفاوضات مع الخُضرجي أو صاحِب البسطة. تَرمي لَهُ رَقمها. وَمِن ثمّ تبدأ عملية “الأخذ والرّد” بينهما إلى أن يتمكّنا معاً بالنّهاية من التوصّل إلى تسوية تَقوم على حَل وسط، أُرّجّح أنّ الغالِب فيها الوالدة والمَغلوب البائِع. كانَت مُدّة المُناورة تَطول أحياناً وَتقصُر أحياناً أخرى حسب طول نفس البائِع وسِعة صدره وصَبره ومدى مُرونته في التّجاوب مع العَرض المُقَدّم. ولكّنني أشهد أنّ لا بائِعَ كانَ نفسُه طويلاً أكثر من وِداد.
باب العامود، البلدة القديمة القُدس/ صَيف 2019
في السّوق، تَقوم قواعِد اللّعبة، عموماً، على أساس المُنافسة الشّريفة بين الباعة وقلّما تنتهي بطوشة رمي كراسي بينَهم. هذا الأمر يُدركه البائع والشّاري على حَدٍّ سواء. وهُوَ ما كانَ بدوره يُعزّز موقف الوالدة في “مناواراتها” مع التُّجار بغض النّظر عمَا أرادَت شراءَه. إن كان كيلو بطاطا أو جلابيّة للبَيت أو ليفة استحمام خشنة كانَت تُستخدم كوسيلة تعذيب بالنَسبة لي عندما يَحّل موعد استحمامي الأسبوعي. فلا يزال كابوس تلك اللّيفة سيئة الذّكر التي كانَت الوالدة تَفرُك بها جسدي الصّغير لتُزيل ما علِقَ به من أوساخ نتيجة اللّعب على مدار سبعة أيّام في الحارة يُلاحقُني إلى اليوم.
المُهم، وبالعودة إلى السّوق، فقد كانَت الوالدة في مُعظم الأحيان قادِرة على إلحاق أشد الهزائم بالباعة وَالخُروج مُنتصرة عليهم بصفقات ناجحة تَصّب في صالحها. أمّا بالنّسبة لي، وبالأخَص عندما أصبحتُ على أبواب المُراهقة، فَقَد كانَت مواقِف كهذه تتسبّب لي بالحرَج الشَديد وتُفسِد علي مُتعة الاستمرار بالتسوّق، إضافة إلى أنّني أصبَحتُ مع تَقدّم سِنّي أشعُر بالملل. فقد صارَت العمليّة التّفاوضيّة بالنّسبة لي بين “الطّرفَين”، أي بينَ الوالدة و”خصمها” البائِع وتمسّك كُل منهما بِموقفه، مُجرّد هَدراً للجُهد ومضيعةً للوقت. وحيثُ أنّني لم أكُن عندها قد تخرّجت من الجامعة بَعد ولم أكُن قد توظّفت وكانَ كُل ما أريده يَصِلُني”على البارِد المستريح” دون عناء، لم يَعُد الذّهاب مع الوالدة إلى السّوق يُغريني كثيراً. أمّا وإن أجبرت على ذلك، فألجأ إلى النّق والتأفُف ونَكز الوالدة من الخلف بظهرها كُلّما طالَت المُفاوضات لِأحُّثها على شِراء ما تُريد بِسرعة والعودة إلى البيت.
لم أكُن أدرك أن إدارة ميزانيّة بالنّسبة لموظّف يكسَب رِزقَه من عرق جَبينه وينتظر استلام راتبَه نهاية كُل شهر لِيُعيل أسرة من أشد المَهام تعقيداً وحساسيّة. لم أتصوّر أن أي سوء تقدير مهما كانَ بسيطاً قد يؤدي إلى دَمار أوطان بأكملها على رؤوس من فيها. كما أنّني لم أتفهّم أن الحصول على كُل ما تشتهيه العَين ليس بالأمر السّهل، بَل يَتطّلّب الخَوض في عمليّة تفاوضيّة مُعقّدة تَقوم على حسابات دقيقة بالورقة والقلم.
تغيّرت نَظرتي إلى كُل هذا وذاك بَعد تَخَرّجي من الجامعة ونجاحي بالحصول على وظيفة براتِب معقول لخرّيج جديد. كانَت سَعادتي بِالراتِب الأوّل لا توصَف. كِدتُ أطير من الفرح وَاستنتجت، بالمُقابل عندها أيضاً أنّ الحياة أعقَد بِكثير ممّا نتصوّره في أعمارِنا المُبكرة. من هُنا، بَدأت أدير ميزانيتي الشّهريّة بنفسي. أحتفظ بِجُزءٍ من الرّاتب لمصروفاتي الشّهرية وأُوّفر ما تبقّى منه “تحت البلاطة” على قاعدة “خلّي قرشك الأبيض ليومك الأسود”.
لِيَف الاستحمام أو للدّقة لِيَف “التَعذيب” الأسبوعي، صيف 2016
وبِمرور الزّمن، كانَ يزداد حِرصي على قرشي أكثر فأكثر إلى درجة أن الوالدة صارَت تُطلِق علي وصف “أبو كمّونة”. لا أدري ما قصّة هذا المثل ومَن هو “كمّونة” ومَن أبوه، لكّن في القُدس يُطلقونَ هذه الكُنية على البخيل الذي ترتَجِف يَداه كُلّما أضطُّر لإخراج قرشاً من جَيبِه.
نُشِرَ في 8 نيسان 2021




