شهادة للتاريخ من بُقعة جُغرافيّة منكوبة  |

شهادة للتاريخ من بُقعة جُغرافيّة منكوبة 

من شهادة المواطن المعتز بالله محمد الكفارنة 38 عاماً حول الحصول على المساعدات من منظمة Gaza Humanitarian Foundation . 

عند وصولنا إلى قرب الحاجز نادى الميكروفون الاسرائيلي مرة أخرى أن عودوا فالمركز مغلق وبدأوا بشتمنا وسبنا، منها يا كلاب، وهددونا أنهم سيطلقون النار علينا خلال ثلاث دقائق إن لم نغادر المكان، وقبل ان يكملوا تحذيرهم وقبل أن نستطيع التحرك بدأ إطلاق النار بشكل مباشر علينا دون أي رحمة أو شفقة، من موقع تمركز قوات الاحتلال الذي كان يبعد حوالي كيلو متر عن تجمعنا .التفت حولي لأجد عشرات الاصابات وأصوات صرخات المصابين ينادون بأن ينقذهم أحد لكن لا أحد يستطيع رفع رأسه من كثرة إطلاق النار وصوت الأزيز فوق الرؤوس، لكن ما إن هدأ إطلاق النار قليلا حتى استطاع للشباب إخلاء المصابين لأقرب نقطة، وهي مركز كبير ومركزي للصليب الأحمر الدولي قريب من المكان لكن الألم الأكبر كان أن من بين المصابين أناس فارقوا الحياة .

عدنا ونفوسنا مكسورة مطأطئي الرؤوس يركبنا الحزن والخوف والألم في نفس الوقت فبعض من كان معنا في نفس الطابور إما أصيب أو رحل إلى غير رجعة في يوم العيد … هذا العيد الاسود الذي دفعنا جوعنا فيه أن نخرج لنحصل على الطعام من يد عدونا … طعام مغلف بالذل والمهانة بعد أن كنا كراماً.

 عدنا وحاولنا النوم على التراب أمام شاطئ بحر رفح الحزين ننتظر وقت دخولنا المركز حتى جاءت الساعة السابعة إلا ربع صباحاً وبدأ إطلاق النار بشكل مجنون مباشر ومكثف وسريع ومخيف من جهة تمركز قوات الاحتلال وكان ارتفاع إطلاق النار لا يزيد عن متر عن سطح الأرض فما عليك إلا الانبطاح على وجهك أو التقوقع في وضعية الجنين. يمر شريط حياتك كلها أمام عينيك تتذكر من يحبوك، تقول يا ويلي ليس الموت آخر همومي هذا اليوم إنما كيف لي أن أموت وألا أعود لأطفال بطعام يسد جوعهم. فهم ينتظرونني في مركز الإيواء جوعى متأملين عودتي حياً وببعض الطعام .. تتذكر ضحكاتهم معك وقت تناول الطعام وكيف تحولت هذه الضحكات إلى بكاء ونظرات تشعرك بأنك مقصر ومشارك في جوعهم فهم أطفال أبرياء سذج لا يدرون الحقيقة إنك جائع أكثر منهم وأن لا حيلة بيدك وأن ذهابك لهذا المكان الموحش المليء بالموت ليس إلا محاولة لإطعامهم فقط لا غير.

استمر إطلاق النار من الساعة السابعة إلا ربع حتى الساعة الثامنة. ساعة وربع من إطلاق النار على كل حركة من مختلف صنوف الأسلحة متزامن ذاك مع أصوات الطائرات المختلفة رعب في كل جانب، ليس عل لسانك غير الشهادتين وحسبنا الله ونعم الوكيل. 

عندما وقف إطلاق النار قال أهل الخبرة: إن هذا هو وقت الدخول . الدخول مشهد سينمائي في قمة التراجيديا لم تصوره ملاحم الرومان أو اليونان أو الكوميديا الإلهية بالمطلق .. يجب أن تخرج جرياً من المكان الذي تحتمي فيه من إطلاق النار، الجري أساس الوصول، مسافة تزيد عن 2 كيلو متر لا يجزعك أن ترى شباب ملقون على الأرض، مفرود على وجوههم الكيس البلاستيكي الذي كان في يدهم ليحملوا فيه ما سيحصلون عليه من مركز المساعدات، الجرحى بعضهم مرمي على الأرض يصارع نزفه ومنهم من يحاول إسعاف ذاته إذا كانت الإصابة في قدمه مثلا. 

رغم أصوات النعال على الطريق لكنك ستسمع أنين الجرحى. ضميرك سيتمزق كورقة انتهى استخدامها فلا نفع منها إنسانيتك ستطير كرماد تم ذره في الريح. أنت تجري كالدواب للحصول على طعام ترى الضحايا والمصابين فلا تستطيع أن تنظر إليهم أو أن تساعدهم لأسباب أولها أنك ما إن تتوقف حتى سيدفعك من خلفك من حشود الجائعين وسيدوسونك تحت أقدامهم بلا رحمة أو شفقة أو سيتم إطلاق النار عليك أو أنك لن تصل إلى المساعدات. يجب أن تجري رافعا ًيدك ورافعاً الكيس الأبيض الذي ستحمل فيه المساعدات كإشارة استسلام وأنك مدني لم تأت إلا للحصول على حصتك من الطعام كدابة تنتظر فتح معلف الطعام في حظيرة بلا اخلاق ولا مشاعر .

تصل إلى الحاجز الاسرائيلي ثم تنعطف بعدها يسارا لتجري مسافة كيلو متر إضافي ثم ستنعطف يمينا لتجري كيلو متر ثالث لتصل إلى الحاجز الأمريكي (عناصر الشركة الأمنية الأمريكية الخاصة)، ستجدهم كما صورتهم أفلام هوليود محملين بصنوف الأسلحة يضعون النظارات السوداء يلبسون الدروع عليها علم أمريكا وخلف آذانهم سماعات يوجهون سلاحهم إلى صدورنا العارية يطلقون النار تجاه الأرض تحت أقدام من يحاول التقدم والوصول إلى المساعدات التي تتموضع خلف تلة يقفون عليها .

تراجعوا رويدا رويدا وهم يوجهون السلاح الينا وتركونا تماما كما يفعلوا في حلبات الروديو لتنطلق الثيران.. لكننا بشر حقيقة بشر يحاولون نزع البشرية منا وتحويلنا لكائنات أقل من الدواب مرتبة فلا نظام ولا أخلاق ولا أي شيء هياكل من الجياع تجري لتقتات من أي فتات يصله حتى لو كان من يد قاتله.

بعد تراجعهم وإخلائهم الطريق لنا لنصعد التلة التي يضعون خلفها المساعدات ليتحول كل من في الطابور إلى ذات الصنف سابق الذكر، وحوش تتزاحم للقضم من فريسة ملقاة أمامهم فعليك الجري بكل ما أوتيت من عزم لتلحق بصندوق فيه بعض الطعام فلا تنظيم ولا مساواة ولا عدالة، قانون الغاب يحكم وما أن تحصل على الصندوق يجب أن تفرغه في الكيس الذي تحمله وتهرب من المكان بأقصى سرعة لان القادمين خلفك في حال لم يجدوا صناديق يحملوها سيهجمون عليك ليخطفوا منك ما تحمل وإن استطعت أن تجمع ما يقع على الأرض أمامك من الهاربين مثلك فافعل لكن دون أن تتوقف فإما ستقع وتدوسك أقدام الهاربين مثلك أو سيسرقك الجائعين أو قطاع الطرق يجب أن تحمل أي سلاح أبيض سكين أو مشرط وأن تكون حذرا وتسير ضمن مجموعة من أصدقائك أو معارفك أو اقربائك أو من تتفق معهم ليحمي كل منكم الآخر خلال الطريق، فعلا غابة بكل أوصافها القوي فيها يأكل الضعيف بلا أي رحم، نزعوا منا كل شيء له علاقة بالإنسانية حولونا لمسوخ بدون روح .

 بعد أن تغادر أرض الموت في مركز المساعدات حاملا بعض الطعام وتفتح الكيس لترى ما حملت وهنا سأذكر ما حصلت عليه : 2 كيلو عدس، ونصف كيلو حمص، و2 كيلو دقيق، و4 كيلو مكرونة، وكيلو طحينة، ولتر زيت قلي (سيرج)، و2 كيلو ملح، وعلبة بازيلاء معلبة، وعلبة فاصولياء معلبة، و2 علبة فول معلب. هنا ستسقط دمعتك تغلبك إن كان لديك شيء من بقايا الإنسانية ستحس بالقهر يمزق قلبك وروحك بلا رحمة ولا شفقة ستتقطع شرايين روحك ستنزف أحاسيسك دون توقف … هل لهذا القدر الضئيل من الطعام ألقي بنفسي في فم الموت أسير عشرات الكيلومترات أزحف على بطني مئات الأمتار أجري آلاف الخطوات أرى جثث الشباب ملقاة على الأرض أرى الجرحى ولا أستطيع أن أمد يدي لإنقاذ اي منهم.

عبد الله شرشاره 

١٨/٦/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading