لَعنَة التكنولوجيا |

لَعنَة التكنولوجيا

بخطأ تقني بسيط قامت طفلتي سلمى بحذف تطبيق الكتابة المثبت على هاتفي. 

برنامج رفيق السهر الطويل، هكذا بسهولة اختفى فجأة من جهازي. 

قصصي، نصوصي، روايتي غير المكتملة، ومقالاتي في الصحة النفسية، كل هذا في لحظة تبخر.

اللعنة على التكنولوجيا الحمقاء، كنت أظن أنني في مأمن وأن أبطالي الذين اكتبهم واثق قصصهم آمنين، لكن هذا لم يكن صحيحاً.

أعلنت الحداد على أبطالي، وجلست وحيداً يتيماً في الليل أبحث عنهم. اطمئن نفسي كذباً أنهم بخير، وأن ثمة خطأ ما سيتم حله. 

فتشت الجهاز عشرين ألف مرة، أعددت تفكيك المجلدات واحداً واحداً، باحثاً عن خيط يدلني على الدفتر الأزرق.

كم كان الكاتب قبل عشرين عام مرتاحاً وفي مأمن من خطأ سخيف كهذا .

ليلة كاملة بطولها قضيتها أحفر في زقاق الهاتف وسرادبيه بلا فائدة .

سأبدأ من الصفر، أقنعت نفسي حزينا، نعم سأبدأ من الصفر، ولكن أين الصفر يقع؟ 

هل يجوز أن اسمي قصة السيدة التي نبشت في القبور تبحث عن طفلها صفراً؟ 

ام أن الصفر هناك على باب غرفة العمليات حين تقف قلوب الآباء بانتظار خبر واحد يقول ان أولادهم قد نجوا بفضل مشارط الجراح؟ لكن الأخبار على الباب لا تسر! 

أيكون صفراً هذا الانتظار الطويل لعشرين عاما قضاها أب في بذر ابنه الوحيد ثم عند عمر السادسة يتوقف قلب الصبي بشظية تخرجه من صدره وتلقيه ارضاً؟ 

أيجوز في فقه الادب أن نعطي الصفر لسيدة في كل حرب تفقد طفلا، ثم في هذه الحرب لوحدها تفقد كل أطفالها دفعة واحدة، ثم والدهم، ثم والدها، ثم أمها ثم كل اخوتها ثم تنقطع من شجرة فتسقط الشجرة عليها وتلحق بهم مبتورة الأطراف؟ 

دعك من الصفر الصفر هنا قيمته صفرية جدا وجداً أمام وجع القصص . 

اذن تعال لنفكر في حل آخر، لنعيد الحكايات من جديد ونحفظها من الضياع مرة أخرى. 

دماغي كبيرة، ورأسي ما زال قائماً، سأقيم لهم معرضا دائما، اعلق صورة كل ضحية وأكتب تحت الصورة قصة صاحبها: 

هذا وسام استشهد يوم عيد ميلاده العشرين كانت أمه قد خطبت له كل فتيات العائلة، فقد كان وسام وسيما وله غمزات “البنات بموتن عليه” تقول أمه الثكلى التي تقسم أنها لم تنم ليلة واحدة منذ استشهد قبل أربعين يوماً .

سأعلق عند مدخل الجانب الأيمن في دماغي صورة أحمد، أكتب تحتها شرحاً: كان أحمد يحفظ القرآن كله ويعرف تفاصيل الآيات وفي ذات الوقت ورغم سنوات عمره التي لم تتجاوز العشرين كان يحفظ كل اغاني ام كلثوم ويددن بها كلما دخل الحمام. أحمد معجزة اجتمع في صدره القرآن والغناء، سقط أحمد تحت عجلات شاحنة الطحين وللأسف تهشمت رأسه وسال منها سائل الدماغ وسيعيش طوال حياته بلا ذاكرة وقد لا يعيش اصلاً وربما استشهد خلال قراءتك لهذا النص. 

يقولون أن الجانب الأيمن من الدماغ يختص بالابداع سأعلق في صدره صورة الطفلة شام، كانت شام ترسم اي شخصية بقلمها الجاف الأزرق في أقل من دقيقتين. 

ذات هدوء خادع، شرعت برسم امها الشهيدة فبكت ووقفت على الشباك فسقط منها قلمها ركضت لتأتي بها فالأقلام مقطوعة وسعرها تضاعف ثلاث او أربعة أضعاف وهو ما لا تحتمله صغيرة يتيمة، ركضت إلى الشارع حيث سقط القلم ، ولم تكن تدري ان صاروخاً يسابقها إلى مكان القلم، في المكان عم الصمت بعد انفجار كبير. ثم انقشع غبار القذيفة، كانت شام ملقاة على الأرض تمسك القلم بيدها الصغيرة وتبتسم لشىء بعيد رأته ساعة خروج الروح. 

رأسي لا يحتمل كل هذا الوجع والمعرض مازال في أوله والقصص كثيرة وأخشى أن يعرف أحد بها، فيقصفون المعرض على لوحاتهم فيموت الأبطال مرتين .

أذن الفجر، فصليّته وجلست افكر في طريقة استعيد بها دفتري المفقود ، أعيد القصص مكانها الأنسب. 

حتى اهتديت اخيراً لطريقة تعيد الدفتر الأزرق والقصص، وقد دخلته بكلي واحتضنت أبطالي. بكيت فرحاً معهم وبهم. ونمت سعيداً أنني عدت لهم بعد أنني وهم ظننا أننا لن نلتقي. 

د.سعيد محمد الكحلوت 

أخصائي الصحة النفسية وكاتب 

غزة فلسطين

محمد سعيد الكحلوت

٢٨/٦/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading