مرّ قبل قليل في مقاطع الفيديو التي يجبرك فيسبوك على مشاهدتها مقطعًا لسيدٍ وزوجته يلوحان على شارعٍ عام لسيارةٍ يستقلها رجلٌ وشاب، فلا يتوقف الرجل فورًا للسيد وزوجته، بل يجبرهما على الركض قليلًا ليصلا السيارة؛ ذلك ليعلّم الشاب بجواره الفرقَ بين اللطف الساذج والواجب الأخلاقي مع الآخرين، إلى هنا نحنُ مع حكمة جيدة عن ضرورة الحدود الاجتماعية في حماية الجميع من الانزلاق في دوائر بعضهم البعض عنوةً وما ينتج عنه من احتمالات مربكة، وأحيانًا مدمرة ومزمنة!
ثم حدث أني دخلت إلى التعليقات، وهذه عادة سيئة أكسبني إياها الملل خلال الحرب، فوجدت سيلًا بشريًا زاحفًا غاضبًا، ردودٌ من زهرة الربيع، وصمت رجل، وأبو فلان، وأم علان، ذلك النوع من التعليقات التي تبدو لك وكأنها مكتوبةٌ من جحيمٍ ما في خيال شاعرٍ محموم؛ غلبه قلقه وفضول الأعين الخائفة، فاعتزل الشعر، واعتنق الارتجاف؛ كانت التعليقات برمتها تدور في فلك أن المسلم يفعل الخير في سبيل الله دون تفكير، وأن الإسلام يمنعنا من التبجح في فعل الخير، والكثير من التعليقات العاطفية البائسة في سياق التنافس الاستعراضي على بلوغ قيمة متخيّلة.. لم تنص عليها أيُ شرائعٍ أو أديان، لكن نصت عليها أخلاقُ العبيد، في عقد التراحم بين البؤساء، الذي لا يحقق سوى المزيد من البؤس.
وفي حين أن حتى الشرائع السماوية جميعها أوصت بمعرفة الذات، وتحديد ملامح العلاقات الاجتماعية والإنسانية؛ كآية: “لا إكراه في الدين” والتي تنطوي على جوهر الحرية الشخصية والحدود الاجتماعية، ونبذ الصنمية والجمود، أو كما جاء في الإنجيل لتأكيد نفس المعنى “كل الأشياء تحل لي، ولكن ليس كل الأشياء تنفع”، إضافةً إلى التأكيد على حرية الفرد على الإختيار أو التنقل بين البدائل؛ إلا أن البعض، أو الغالبية! يصرون على تقييف القيم الإنسانية والموروث البشري على قياس ضيق أفقهم، ومساحة الراحة خاصتهم والتي تدفعهم لاعتناق قوالبٍ جاهزة، وجامدة، فيتحولون إلى أصنامٍ تعبد خرافاتها وقوالبها، تنهار عند أبسط تغيير في التصور المريح في عقولهم، حتى إذا كان ذلك التغيير تحريكُ إصيص الزينة المصلوب على الطاولة في صالة المعيشة قليلًا، فهذا كفيلٌ بجعلهم يشعرون أن نهاية العالم على المحك..
إنها مآساةُ مجتمعاتنا.. لُطف العبيد، ورداءة الأشرار، اختلال التوازن الطبيعي بين الخير والشر، وانهيار المسافة بين الشخصي والعام، واستبدال كل تلك المعايير الوجودية بالفروض الدينية، إذا ما تمت تأديتها فالمجتمع مكتمل الآدمية، بإمكانه ممارسة التنظير الأخلاقي على العالم أجمع من برجٍ عاجيٍ متوهم، دونَ أي حسابٍ للواقع، أو بكلمةٍ أدق أهوال الواقع، فينتهي الأمر بهؤلاء كمن يرتع في جحيمٍ من السخام، مكتفيًا بخيالاته عن النعيم، حتى يصدق أنه فيه.
محمد تيسير
9/7/2025


