في صباحٍ رماديّ اللون، مائلٍ إلى الذبول، خرجتُ بالكاميرا كما يخرج متعبٌ إلى صلاةٍ لا ينتظر منها شيئًا، أو كما يذهب جنديٌّ إلى معركةٍ بلا بندقية، ولا فكرةٍ عن النجاة.
لم أكن أبحث عن الجمال، فالجمال في هذه البلاد صار رفاهية، بل خيانة. كنت أبحث عن الحقيقة، والحقيقة هنا لا تلبس ثوبًا أنيقًا، بل خيشة مثقوبة، تفوح منها رائحة النزوح والبكاء المكتوم، وتمشي حافيةً على أطراف الخيام.
أبحث عن فيلم. لكن كلّ زاوية في الطريق تصرخ بي: “صوّرني!” كل لحظة تمتد إليّ كيد غريق، وكل مشهد يطالب أن يُخلّد قبل أن يُمحى، كأن الحياة تتوسل أن تُكتب، لا لتُذكر، بل لتُفهم.
مررتُ بخيمةٍ مشقّقة، لم أعد أفرّق بين خيوطها وخطوط وجه الرجل الذي يرقّعها كل صباح. كانت الإبرة في يده ترتجف كأنها تخيط جسده لا قماشه، وعيناه تقولان لي دون صوت: “صوّرني، لكن لا تكذب.”
اقتربت من طفل ينظر إلى شجرة تين مقطوعة، كمن فقد شيئًا لم يعرفه بعد. كانت يده تقبض على حصاة، لا ليقذف بها، بل ليشتري بها ظلًّا أو ذكرى. تردّدت: هل أصنع فيلمًا عن هذا الاشتهاء النادر؟ عن ثمرة لم تنضج، وجذر اقتُلع قبل أن يُثمر؟
ثم رأيت الرجل الذي يركض بين الخيام، يسأل عن قليل من السكّر لأبيه المحتضر، لا ليُنعشه فقط، بل ليُعيد إليه حلاوة التفاصيل الصغيرة التي غابت تحت الركام. لحقتُه بنظري، لكنّي التفتُّ فوجدت غيره…
وجدت أمًّا تهدهد رضيعها تحت خيمة تمزّقها الريح، تغني له أغنيةً لا صوت فيها، لأن الحبال الصوتية جفّت من شدة الصراخ الداخلي. وطفلة تبحث في الرماد عن قطعة بلاستيك مشتعلة تطهو بها العدس المسوّس. وطفلًا ينقّب في الصخور عن بلح البحر لا ليأكله، بل ليطعم أمّه ما تبقّى من البحر في هذا اليابس العامر بالنكبة.
الكاميرا في يدي ترتجف. لا لأن البطارية على وشك النفاد، بل لأن قلبي هو من يرتجف. أصوّر، ثم أُنزِل الكاميرا. أبكي، ثم أمسح العدسة، كأنني أغسل وجهي لا زجاجها.
كلّما مررت بطابور ماء، تمنّيت أن أتحوّل إلى سحابة. وكلّما رأيت طفلًا على بوابة الإغاثة، تمنّيت أن أُخلع من جسدي، وأصير رغيفًا.
لكن أسوأ ما رأيت… ذلك المصوّر الذي أعطى الطفل حلوى، وقال له: “ابتسم”… ثم سحب الحلوى بعد اللقطة. تقيّأت في داخلي كلّ الصور. سألت نفسي: هل نصوّر لننقذ، أم لنروّج؟ هل الكاميرا مرآةٌ أم مغرفة تبرّعات؟ وشتمت. شتمت كل يدٍ جعلت من دمنا مهرجانًا بصريًّا، ومن مأساتنا خلفية ملونة لتقريرٍ دوليّ.
ثم، في الزحام، وجدتني.
أنا، بكاميرتي، بوجهي المحايد قسرًا، بارتباكي كلّما صرخت الحكايات حولي أن “اخترني”. أنا الذي لا أريد أن أكون بطل الفيلم، رغم أنني أعدّ وجبتي من العدّ، لا الطعام، وأقيم في خيمةٍ تؤجل انهيارها كلّ ليلة، وأسمع أطفالي يسألون: “هل سنأكل اليوم؟”
لكن إن صنع كلّ صانع فيلم فيلمًا عن ألمه، من سيصنع الأفلام عن الذين لا صوت لهم؟ لا كاميرا، لا ورق؟
ربما لن أختار موضوعًا. ربما سأترك الحكايات تتشابك كما هي، في فوضى تشبه الحقيقة. ربما سأصنع فيلمًا من شظايا الواقع، من شتاتٍ متجانس، من فسيفساء لا بطل لها سوى الحقيقة، ولا موسيقى سوى أنين الريح وهي تمرّ بين الخيام.
فيلمًا لا يُشاهد، بل يُحسّ. لا يُباع، بل يُبكى عليه. فيلمًا لا يُنهي الحرب، لكنّه يضعها في عيون الناس بلا رتوش، بلا مونتاج، بلا تعليق صوتيٍّ أجوف.
ففي النهاية… كلّ ما في غزة يصلح أن يكون فيلمًا، لو كان في العالم عدلٌ يكفي ليشاهدوه
إبراهيم عصام
6/8/2025


