مَع السّلامة يا يوسف |

مَع السّلامة يا يوسف

متى يتوقف المرء عن البكاء، يعني أنه فقد الغريزة الأولى التي تبلل قسوة العالم بملح إنسانيته. وما جدوى المرء بلا دمعه؟

أعترف، أن الينابيع في داخلي تكلست، وصرت دمية لا يحركها سوى صرير المفاصل الخشبية. لقد جردني فائض الموت وفقدي المتكرر لذاكرتي قدرتي على البكاء. 

بالأمس، بث الأصدقاء صورةً لزميل من طفولتي. كنا نجلس في الصفوف ذاتها، نُضبط ونحن نهرب الضحك من بين أسناننا، كان مشاغبًا، شقيًا، عنيدًا. ودائمًا ما كان يعاقبه الاستاذ، لرؤيته واقفًا مع فتاة في زقاق ضيق من أزقة رفح في الساعات الصباح الأولى. لكنه لم يكن آبهًا بعقاب الأستاذ المتكرر، لأنه يعرف أن استبدال المكان يعني تبديد اللحظة، وأن أي عقاب أهون من خسارتها.

لكن العقاب هذه المرة لم يأتِ من أستاذٍ يتصيد خطواته، بل كان عقابًا أخيرًا، مطلقًا في فظاعته. وربما كان الأستاذ نفسه متوارٍ قربه، يبحث عن صخرة أو حجر صغير يحتمي به، لكن إشرائيل قد رأته مختبئًا من بنادق قناصيها، فعاقبته بالموت. 

وجدوه ملقى على الرمال، في فمه طحينٌ أبيض، وجهه ملطخًا بدمٍ طري، تتصاعد منه الأبخرة، بثيابٍ نظيفة، إلا من رشقات الطحين الذي تراكم على صدره وكتفيه. كان الطحين محشورًا في فمه، كما لو كان محرومًا من مذاقه لفترة طويلة، أو كأنما قرر، في لحظة حدس، أن يستقبل العقوبة الأخيرة بمعدةٍ ممتلئة.

مع السلامة يا يوسف

أحمد صالح

١٣/٨/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading