هذه صورة لثلاثة أشقاء من غزة، الصحفية مروة مسلم وشقيقيها معتز ومنتصر. منذ أن قرأت خبر انقطاع الاتصال بهم قبل شهر ونصف، وأنا أتخيل سيناريوهات كثيرة لنجاتهم، أحاول أن أتجنب التفكير بأن انقطاع الاتصال قد يعني أو يمهد لخبر اعدامهم معًا بطريقة بشعة.
كنت أقول ربما فرغت بطاريات هواتفهم ويخافون الخروج لشحنها، أو ربما هم أطفؤها خوفًا من رصد طائرات الاستطلاع لإشارتها في منطقة “إخلاء”، ربما هم مستاءون من إلحاح الناس عليهم بضرورة الإخلاء في حين هم يريدون أن يبقوا في بيتهم، أو ربما انقطاع الاتصال بهم مجرد “مبالغة” أو سوء فهم.
لكنها لم تكن مبالغة، فقد تأكد الأسبوع الماضي استشهادهم معًا، بعد قصف بيتهم فوق رؤوسهم، واليوم تم انتشال ما تبقى منهم، وُضعت عظامهم وجماجمهم على نعش واحد، وجمعت ذات العظام والجماجم في كفن واحد ليُصلى عليهم قبل دفنهم على الأغلب في قبر واحد.
لا أعرف كيف يمكن أن يكون وقع كل هذا على قلب أمهم التي خرجت من غزة مع والدهم لتلقي العلاج، وتركتهم في عهدة بعضهم، أخت وأخوين تجمعهم عتبة بيتهم في أيام الحر والحرب، ويتشاركون جينات النزق الشجاعي، فهم يقبلون بأي مصير في بيتهم على أي نجاة في خيام النزوح.
والحقيقة أنا لا أعرف أيًا منهم لكن الصور التي انتشرت لهم توحي بعلاقة أخوية شديدة العمق والترابط، فإذا كان أحدهم قد قال للآخر يومًا “معك على الموت”، فقد قالها/قالتها بكل صدق.
تخيلت لحظاتهم الأخيرة، ربما كانوا يتشاورون للخروج، أو يتفقون على البقاء، أو ربما كانوا خائفين من اقتراب أصوات القصف واشتداد حدته، ربما تعانقوا ليطمئنوا بعضهم ثم أضاءت السماء حول شبابيكهم المحطمة، وابتلعتهم بعدها عتمة أبدية باردة في قبر مؤقت كان قبل ثواني فقط بيتهم.
بعد أن تأكد رحيلهم، تمنيت أنهم لم يتعذبوا بآلام بعضهم، تمنيت أنهم نالوا موتًا فوريًا، ارتقاءً عاجلًا وإجلاءً نهائيًا إلى جنةٍ لا تعب فيها ولا وصب وإلى رب راضٍ ورحمات مباركات.
هون الله على والديكم سكرات الفقد..
وداعًا مروة ومعتز ومنتصر مسلم
سماهر الخزندار
16/8/2025


