فيلم “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Rajab) للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، فاز مؤخرًا بجائزة “الأسد الفضي” في مهرجان البندقية السينمائي، ثاني أرفع جوائز هذا المهرجان العالمي العريق، ومرشح للفوز بجائزة الأسد الذهبي وهي الجائزة الكبرى للمهرجان
الفيلم، الذي عُرض لأول مرة، هزّ مشاعر الجمهور، حتى انفجرت القاعة بالتصفيق المتواصل طوال 23 دقيقة كاملة — تصفيق لم يكن لفنٍّ سينمائي فحسب، بل انحناء أمام وجعٍ إنساني نادر، يوثّق صرخة طفلة فلسطينية لم يسمعها العالم في وقتها، إلا بعد أن صار صوتها فيلمًا وجائزةً وذاكرةً دامية.
الفيلم مبني على تسجيلات صوتية حقيقية لمكالمة الطفلة الفلسطينية هند رجب (5 سنوات) مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وهي تستغيث طلبًا للنجدة، عالقة في مركبة مثقوبة بالرصاص، مُحاطة بجثامين أسرتها. كانت تصرخ من قلب الخوف:
“خُذوني من هنا، أنا خائفة، أنا وحدي، لا أحد معي!”
لكن القصف كان أشدّ من الإنسانية، والرصاص أسرع من سيارات الإسعاف، والرد الوحيد كان العجز.
خمس ساعات كاملة ظلّت هند تُحاول التشبّث بالحياة، تُمسك بخيطٍ ضعيف من الأمل، قبل أن ينقطع كل شيء، حتى صوتها. وبعد 12 يومًا، عُثر على جثمانها الصغير، ساكنًا، متجمّدًا في حضن الرعب، داخل السيارة نفسها، إلى جوار خالها وعائلته، الذين قضوا جميعًا.
فوز الفيلم بهذه الجائزة الرفيعة لم يُشعل الفرح في الضمير الإنساني وحده، بل أشعل كذلك هستيريا في أروقة الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها الثقافية الرسمية، التي شنّت حملة مسعورة ضد الفيلم، وضد مخرجته، وضد الجهات التي موّلته، وكأنّ الجريمة لا تكتمل إلا بمحاولة دفن ذاكرتها.
هذه الحكاية الموجعة، الحاضرة بكل تفاصيلها الصوتية والصورية والدموية، تعبر الزمن والجغرافيا، لتعيد إلى الأذهان مأساة قديمة، بطلتها طفلة ألمانية يهودية تُدعى آن فرانك، لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، هربت مع أسرتها من بطش النازية إلى هولندا، واختبأت أربع سنوات كاملة في مخزن صغير، حتى اعتُقلت مع والديها.
دوّنت آن يومياتها، جمعت فيها خوفها، أحلامها، وفتات أملٍ إنساني لم يكتمل. تلك اليوميات تحوّلت لاحقًا إلى كتاب تُرجم إلى 65 لغة، ثم إلى فيلم عالمي عام 1959، حاز عدة جوائز كبرى، من بينها الأوسكار، مدعومًا بالدعاية والتأثير الصهيوني الكبير حول العالم، حتى صار رمزًا عالميًّا للبراءة المذبوحة.
لقد شاهدتُ فيلم “يوميات آن فرانك”، وقرأت الكتاب منذ سنوات، وزرتُ المتحف الذي شيدته الحكومة الهولندية باسمها في قلب أمستردام، وكم كانت صدمتي عميقة أمام مأساةٍ يتكرّر فيها القتل بأسماء وأعلام مختلفة، حيث يتحوّل الضحيّة إلى من يُعيد إنتاج القسوة ذاتها. لاحظتُ التشابه المروّع بين ما تعرّضت له آن وأسرتها من قتل وتطهير عرقي على يد الوحش النازي، وما تعرّضت له هند رجب وأسرتها في فلسطين — على يد أبناء الضحيّة آن نفسها، الذين كان يفترض أن يكونوا أرقَّ قلبًا، وأشدَّ حساسيةً تجاه ظلم الآخرين، فإذا بهم يكررون الفاجعة نفسها، ولكن بوجوه مختلفة وأعلام مختلفة.
بدا لي أنّ الضحيّة — في كثير من الأحيان — تُحاكي جلّادها، بدل أن تكون أكثر حساسيّة تجاه الألم الإنساني. كأنّ المأساة لا تخلّف رحمة، بل تورّث انتقامًا؛ كأنّ الدرس الإنساني الأوّل يُمحى، كلّما صرخ طفلٌ في الظلام فلم يُجبه أحد — كما صرخت هند، كما كتبت آن، وكما صمت العالم… مرّتين.
عبد الكريم عاشور
٨/٩/٢٠٢٥


