ضَحكات أُمّي |

ضَحكات أُمّي

تهتزّ، لم تفزع، لم تتأوه، كانت الطائرات تمر فوق رأسها مثل ذبابٍ مُلِح، وهي لا ترفع رأسها من صحن العدس.

أنا الذي ظننت نفسي رجلاً، أرتجف كل يوم. أسأل نفسي: ماذا لو انهار البيتُ فجأة؟ ماذا لو زحفت الدبابة إلى عتبة بابنا؟ ماذا لو غابت أمي تحت الركام ولم يبق من صوتها سوى شالٍ ملون عالق في الحجارة؟ هي لا تسأل هذه الأسئلة. هي تعرف أن الموت ضيفٌ عنيد، وأن الخوف يطيل الطريق إليه، فتضحك ساخرة: “الموت في بيتي أهون وأحن يما”.

أنا الممزق، أعيش في المنفى الحقيقي، منفى الرغبة في حمايتها، مع العجز التام عن فعل شيء، أبحث عن معجزةٍ صغيرة، عن طيرٍ يفتح جناحه على شكل ممر سري، عن غيمةٍ تهبط وتصعد بها بعيداً. لا مال، لا مكان، لا يد ممدودة، لا سماء مفتوحا، لا شيء سوى هذا الرأس المملوء بالأسئلة التي تنهشني مثل كلاب.

أمّي هناك، وأنا هنا.

هي جبلٌ، وأنا ظله المرتعش.

هي البقاءُ نفسه، وأنا فكرة الزوال.

كل ليلةٍ أنام وفي فمي طعم التراب، كأنني أجرب غيابها قبل أن يأتي.

يا الله… لماذا جعلتَ الأمهات أثقل من الجبال؟

ولماذا جعلتَ الأبناء أضعف من ورقة في مهب الخوف؟

أمّي هناك، وأنا هنا.

هي تجلسُ كأنها جذع زيتونة لا تموت، تضع إبريق الشاي فوق النار، بينما الطائرات تحلق مثل غربانٍ مسعورة. تقول لي في سرها: 

“أنا من هان… وبديش أكون في مكان تاني”.

أحاور ذاتي على عتبة الفقد، أُدرك أن المسافة بيني وبينها ليست بالكيلومترات، بل بالقدر. هي تعيش في مركز العاصفة ولا ترتجف، وأنا أعيش على هامشها وأرتجف.

أمي تعرف أن الخوف خدعة، تقول: “ما الذي سيضيفه الخوف إلى الموت؟” وتضحك، ضحكتها تشبه حجراً قديماً في جدار مهدم، لا ينهار.

أبحث عن طريقة لأنتشلها من قدرٍ أكبر من أي حب، أكبر من أي قوة، أكبر من أي وطن، أريد أن أكتب لها جناحين، أن أزرع لها سلماً من القصائد، أن أختبئ في دعاءٍ وأصير قارباً يبحر بها خارج الخراب.

لكنني أعرف،، أن الموت أذكى منا جميعاً، أعرف أن الهزيمة أحياناً ليست أن تخسر المعركة، بل أن ترى أمك تواجهها وحدها وأنت عاجز عن أن تمسح الغبار عن كتفيها.

فأكتب لأصدقائي، أكتب للعالم، أكتب لله:

أريد أن أنقذ أمي، لا من الموت وحده، بل من أن تفقد ضحكاتها التي تشبه كل البلاد.

هي ليست أماً فقط

إنها آخر حائط أستند إليه، آخر حارس على بوابة اسمي.

إنها غزة التي لم تخلق الأرض مثلها.

 

رائِد اشنيورة

11/9/2025

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة