هذا الصباح بكيت طويلًا… مع كل نزوح يتضاعف الحنين إلى البيت الذي رعيت تفاصيله اكثر من عشرين عامًا، كما ترعى الأم طفلها لينمو يومًا بعد يوم. البيت لم يكن مجرد جدران، بل كائن حيّ له عمر يتقدم معنا، يكبر كل عام، يشهد على صغري وكبري، على أفراحي وانكساراتي.
داخل البيت كانت الحياة تنبض بتفاصيل صغيرة: إعداد الطعام برائحة البصل والبهارات، صوت جلي الصحون المتكرر الذي يُعلن عن نهاية وليمة أو جلسة عائلية، وصوت الملاعق وهي تُرتّب في الأدراج. على شبابيك البيت زرعتُ الورود الحمراء والريحان والنعناع، كانت تملأ المكان برائحة لا تخطئها الذاكرة، وكان الهواء القادم من النافذة يوزّعها على الغرف كأنها رسائل حب خفية.
كل قطعة أثاث في البيت حملت بصمتي: من أصغر الأشياء التي حملتها بيدي واخترت ألوانها وأحجامها، إلى الثلاجة والكنبة وطقم السفرة والمكاتب وغرفة النوم التي جلت الأسواق لأجلها. حتى الملابس كان لها عبقها الخاص، وغرفة الضيوف رائحة مميزة تعلّق في ذاكرة كل من زارني. قالت لي زوجة ابن أخي ساجدة ذات مرة: “لبيتك يا عمتي رائحة لا تتغير، رائحة جميلة محببة”.
البيت كان صديقًا يعرف مواعيدنا: في الصباح معبّق بالقهوة والابتهالات وصوت فيروز، عند الغداء بروائح طعامي المطهو بالحب، ثم القيلولة، حيث يصمت البيت وكأنه يُطبطب عليّ لأنام. في المساء، أضواء خافتة وركن صغير للكتب والقراءة، ثم موعد النوم.
لكن أكثر ما يوجع قلبي اليوم فقد تلك الكنبة الحمراء… كنت أكتب عليها مذكراتي ومقالاتي، وكأنها تجلب الأفكار من حيث لا أدري. هناك جلست مع صديقتي منذ الإعدادية، نقضي ساعات طويلة في حديث لا ينتهي. ذاك الركن كان لنا وطنًا صغيرًا.
ثم جاءت الحرب… سرقت أعمار البيوت، وأطفأت رائحة النعناع والريحان، وخطفت الكنبة الحمراء، وألقت بنا إلى العراء، مشردين، نلهث وراء طوق نجاة، وكل يوم يقرّبنا من الموت أكثر من الذي سبقه.
واليوم لم يعد هناك بيت… تحوّل كل شيء إلى ركام: الملابس المعلّقة بعناية، الأثاث الذي جمعتُه قطعة قطعة، الجدران التي حملت ضحكاتنا، الصور التي وثّقت أعمارنا، الشهادات والتكريمات التي كانت فخرًا لنا، وحتى الأحلام الصغيرة التي خبّأتها بين الدفاتر والرفوف. رحل البيت ومعه جزء مني، وما بقي إلا ذاكرة تحاصرني وتبكيني كل صباح.
ويبقى السؤال يوجعني: هل كل ما حدث لنا يُسمّى مكتسبات؟ كما قال ذاك الرجل العجوز الذي يبحث عن نصرٍ من آلامنا، من معاناتنا، ومن قهرنا؟ أي مكتسب هذا الذي يُقاس بركام بيوتنا وأعمارنا الضائعة؟
أخبروني
١٢/٩/٢٠٢٥


