عزيزي الصحافي الأبيض الذي لا يملّ سؤالي:
بأي مدينة أنت الآن؟
هل ما زلت في بيتك أم تم تدميره؟
متى تناولتِ آخر وجبة؟
هل أُصبتِ من قصفٍ قريب؟
هل تعتبرين الفن مقاومة؟
كيف تصفين المعاناة كامرأة في مجتمع يُباد؟
هل تحاولين النجاة؟ هناك منح للفنانين — أرسلوا لي بريدك الإلكتروني لنقوم بإرسال المنح المتاحة.
لم أعد أستطيع وصف الأيام التي أعيشها، ولا حالتي؛ كل يوم هو بمثابة خدشٍ في عيني يصل إلى عمق روحي. صرتُ تلقائياً أتجاهل الحديث عن الحرب والأحداث الأخيرة. وأعرف أن صوتنا مهمّ لكنّه لتوثيق التاريخ فقط، وليس لإيقاف الإبادة. تخيّل أن يوثّق شخص موته صوتاً وصورة. الآن أرى الحقيقة كاملة، مجرّدة من الوطنية والهتافات ومن حقِّ الحقِّ وأهميّة الصوت: فلا صوت يفوق صوت صاروخٍ يخترق السماء.
لقد غادرتُ صفحة حمزة المصري وكل صفحات الأخبار، لربما أنسى الحرب قليلاً. الكتب التي قرأتها علّمتني أن أترك الأشياء دون الركض ورائها أو ترقُّبها؛ الآن أفلت كل شيء وأكتفي فقط بمراقبة أيام عمري وهي تنسحب من بين أقدام الحرب الثقيلة. وأفكّر في النجاة التي تُطرح أمامي على الطاولة. الطاولة مكسورة؛ أنقذناها من تحت الركام وها هي تنتظر دورها كي تصبح حطَبًا نطبخ عليها عدس الغداء — عن أي نجاة تريدني أن أفكّر؟ وهل البعد عن مسبب الأذى يُعدُّ علاجاً أصلاً؟
عربات تحمل عفشاً يعني هناك خريطة إخلاء. رجال يركضون ونساء بثياب الصلاة تلهثّ — يعني هناك تهديد بالقصف لبناء قريب. ازدحام في الشارع والسوق يعني المنطقة آمنة مؤقتاً. صوت قصف يعني هناك حلماً تهدّم، يتلوه صوت إسعاف يعني هناك ضحايا. كل ذلك أراقبه بينما تصبح الخريطة رمادية أكثر، تزيحنا رماديتها جنوباً في أسفل الخريطة، وكأننا بقايا غبار يتم كنسها.
أنا لم أمت بعد، وما زلت في بيتي الصغير الذي محض صدفة بُني في المدينة التي تقع في المنتصف بين الشمال والجنوب. لم يسقط دمي، لكنني أعرف جيداً رائحته. آكل كل يوم، لكن وزني يستمر بالنزول، ولا أعتبر الفن سوى حزناً ملوناً يثير مشاعر الآخرين. أنظر في الوجوه وأرى خدوش عامين من القهر والبؤس، مشاعر نختبرها بكل قسوة تُنسينا معنى أن نشعر بأي شيء آخر سواها. لقد تمت السيطرة على أطراف غزة — شمالها وجنوبها وشرقها — ولم يبقَ أمامنا سوى المدينة المكتظّة وحزناً لا نستطيع السيطرة عليه.
أقف على أعتاب الكون فأرى البحر وأسأله: لماذا لا تقوم بابتلاعنا أنت أيضاً؟ أو لماذا لا تعود إلى الخلف وتترك لنا مساحة نسكنها؟ ما المغزى من صمتك، وأنت شاهِد على كل هذا بثبات؟
عزيزي الصحافي:
إن جاء خبر موتي يوماً فلا تتحدّثوا عني فقط، تحدثوا عن من مات معي، ومن بقي ليتجرّع الألم بصمت، يتأمّل البحر ويريد أن يسأله أيضاً.
فِداء الحسنات
19/09/2025


