ما هي وجهتك؟”
السؤال الأكثر طرحًا في مدينة غزة الآن، تحاول خوض حوار طبيعي مع أحدهم، لتجد نفسك تبادر بطرح السؤال أو تتلقاه فجأة: “ما هي وجهتك؟”
في غضون الأسابيع الماضية، خاض الغزيون سباقًا نحو الجنوب، لا لغرض الفوز بميدالية أو جائزة، بل هو سباقٌ للنجاة.
سباقٌ لإيجاد منزل في الجنوب بسعرٍ تعجيزي، سباقٌ لإيجاد أرض لينصبوا خيمة لا تقي حرًا ولا بردًا، وما أكثر الفائزين وكلهم خاسرون.
في كل مرة يسألني أحدهم: “ما هي وجهتك؟” أصفن لبرهة من الوقت، لا لأجد الإجابة الأنسب، بل لأنني لا أملك إجابة من الأساس.
لم أنزح من منزلي منذ بدء هذه المجزرة، بقيت فيه وخسرت الكثير ثمن بقائي، حوصرت وأصبت وفقدت الكثير، لكنني: لم أغادر المنزل، فهو وجهتي الدائمة!
“لكن الجيش يقترب منك!”
يخبرونني
أدرك ذلك جيدًا، لكنني بحقيقة الأمر لا أعرف أي وجهة أخرى، لا أعرف طرقات جنوب الواد، لا أملك منزلًا ليأويني هناك، ليس لدي خيمة لأحتمي بها، لا أعرف كيف لي أن أعيش في العراء، ولا أمتلك ما يكفي من المال لأستأجر منزلا يأويني أنا وأمي، فالمجزرة المستمرة منذ عامين، استنزفت كل ما أملك من نقود.
أنا أدرك خطورة الموقف تمامًا، ولكنني أدرك انعدام الحلول.
أحاول البقاء (صامدة) إلى الرمق الأخير، ولكن الرمق الأخير قد يعني وصول الدبابات لمنزلي وتطويقي وحصاري كما حصل سابقًا، الفارق الوحيد أننا سنجبر للخروج هذه المرة على يد الجيش، الخروج الأخير من غزة، الخروج عبر نقاط تفتيش لا يتم تفتيشك بها بل انتهاكك.
القصص التي تداولها الناجون السابقون تحدثت عن سرقات عبر نقاط التفتيش، تحدثت عن حالات اعتقال، حالات اغتتصاب، وحالات إعدام، لا لأي سبب سوى أن الدورية التي كانت حاضرة أرادت فعل ذلك.
أدرك عواقب بقائي جيدًا، لكنني أدرك كذلك أن لا خيار متاح لي في الجنوب، وإن تفاقمت الأمور بشكل أسرع، فإني أفضل الموت -وإن كان على يدي- على عبور نقاط التفتيش التي ينتهك بها الإنسان.
من مدينة غزة، شمال الوادي، فلسطين المحتلة.
الثالث والعشرين من أيلول للعام 2025
بيان أبو سُلطان
23/09/2025


