الكُتُب مُجرّد حبر |

الكُتُب مُجرّد حبر

أدرس محاضرات ماجستير إدارة الأعمال كل ما تسنح الفرصة: الاستراتيجيات، إدارة الموارد، واتخاذ القرارات تحت الضغط.. لكن كل الكتب تبقى مجرد حبر، لأنها في غزة بتتحول غصبًا عني كل النظريات الجامعية لواقع يومي بائس.

خيمتنا صارت مجلس إدارة دائم. على الطاولة — أقصد على الحصيرة — النقاش مفتوح مع كل أزمة جديدة.. وين نروح الليلة؟ مين يجيب مي؟ كيف نوزّع المهام؟ ومع بداية الشتاء، كيف نمنع الخيمة من الغرق قبل ما نغرق إحنا؟ وحتى السيولة، مش مالية بس.. سيولة أعصاب، سيولة روح، سيولة وقت..

وتميم دايمًا حاضر، يضغط على إيدي وبيحكيلي: متخافيش. بس الحقيقة إنو هو كمان بيركض، يمكن من القبور اللي عبرناها، أو يمكن من واقع ما في منه مهرب. وأنا وياه فجأة بنصير لجنة طوارئ.. واحد يركض، وواحد يسجل.

كل قرار بغزة مش دراسة، هو حياة أو موت. كل نار بنوقدها صارت مشروع جماعي، وكل قطرة مي بنجيبها من الطابور أطول من سطر بأي محاضرة.

كوني بنت بغزة ما بيعني ضعف.. بالعكس، يعني إني أدير أزمات بحجم قارة وأنا بخيمة مهترئة. التحمل صار مهارة، الحيلة خطة عمل، والحنين وقود يمشي اليوم اللي بعده.

مش مجرد قصة عن حرب، قصة قيادة وإدارة في أقسى كتاب ممكن تخيله: غزة تحت الإبادة.

نَجيّة محمود

٢٨/٩/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة