أوّل أمس، بعد أن لفظتني المدينة مثل أمٍّ أنهكها النزيف، وجدت نفسي تائهاً في النصيرات، أفتش بين الأزقة المزدحمة عن شقّ نجاةٍ وهمي،.
في خضم معـ ركة البحث وسط السوق، حيث تختلط الأصوات بروائح البهارات، اخترق الضجيج نداءٌ مألوف: “فادي!” التفتُّ، فإذا هو صديقي العزيز ماهر زينو.
وقفنا وسط المارة، أنا وماهر، ومعنا أخي محمد أبو سلطان، نحمل فوق أكتافنا أثقال النزوح. حدّثني ماهر عن مأواه الجديد: وهو عبارة عن “سطح” لمحلات وسط #السوق، غطّاه ببعض الأقمشة الواهنة التي تشبه قلباً ممزقاً يحاول ستر عائلته من رياح الليل الباردة.
كانت خيمته أشبه بجرحٍ مكشوفٍ على جسد السوق، قطعة قماش لا تحتمل برد الليل ولا لهيب النهار، كل تفكيره كان محصوراً في حلمٍ #صغير: فقط خيمة تستر أسرته.
افترقنا على وعدٍ بلقاء، أنا متمنياً له مأوى أدفأ، وهو داعياً لي بظلّ يحميني من الغربة.
لكن الأمس حمل الغدر في طياته: ماهر رحل.
رحل وسط سوق النصيرات، مع أربعين روحاً من النساء والأطفال والشيوخ، رحل قبل أن يحظى بخيمته، قبل أن يحمي أسرته من خيـ |نة الزمن.
ماهر غادرنا وبقيت أسرته في تيهٍ جديد، كزورق مكسور يتلاعب به موج الفقد، كلما هدأ بحرٌ ثار آخر. كأن هذه الأرض لا تشبع من أخذ الأحبة، ولا تعرف نهايةً لمواسم الرحيل.
رحمك الله يا ماهر، دعواتكم له ولنا
فادي الشيخ يوسف
٢٨/٩/٢٠٢٥


