نَجَوت من كَلبٍ مُفترَس |

نَجَوت من كَلبٍ مُفترَس

في وسط شارع فرعي، صباح يوم اكتسى بالرماد من شدة القصف، لمحت كلباً بنياً متوسط البنية، كان ينبش في كومة قمامة وجدت لنفسها مكاناً في منتصف طريق  تلف جانبيه أكوام من ركام المباني والمنازل المقصوفة.

شعر بي إذ اقتربت، فتوقف عن النبش ورفع رأسه، حدق بي  طويلاً.

واصلتُ السيرَ، وكلما اقتربت أكثر، كان الحيوان يركز معي أكثر، حتى تكشّرت ملامحه، واتسعت عيناه، ضاقت المسافة بينهما، برزت تجاعيد وجهه وأنّيابه، وأخذ يهمر ويزمجر.

حاولت أن أبدو ثابتاً، متجاهلاً التهديد الذي بدا واضحاً، لكنه باغتني بهجوم مفاجئ، ولولا فضل الله أن ألهمني كي  أتناول فوراً  سيخاً من الحديد ظهر أمامي فجأة ولوّحت به في وجهه، لما أظنني اليوم أكتب هذه الشهادة .

وزادني حظاً تدخّل أحد المارة  صدفة، تولّى الرجل رشق الكلب بالحجارة حتى فرّ بين الأزقة المدمّرة.

اقترب مني الرجل، هنأني بالسلامة، ثم قال بلهجة المجرّب العارف:

“الكلاب بعد ما أكلت لحم الشهداء توحّشت وصارت مفترسة.”

هكذا ألقى الرجل هذا الحكم، دون أن ينتظر ردا. شكرته ومشيت في طريقي.

انتبهت، بعد مسافة ليست بالقصيرة، أنني ما زلت أحمل السيخ الحديد، وأن أنفاسي ما زالت مستثارة، وكذلك نبضات قلبي.

ثم وجدتني غارقاً في حكم الرجل:

“الكلاب بعد ما أكلت لحم الشهداء استوحشت وصارت مفترسة.”

في تقرير بإحدى نشرات الأخبار، كانت طفلة تتوسل إلى قطتها ألّا تأكلها إذا ما قُصف البيت، ونجت البسّة وسقطت صاحبتها.

بدت الصغيرة جدية في توسلها، بينما القطة غارقة في البلادة، تمضغ قطعة من اللحم المُصنّع.

في مشهدٍ مُسرَّب، وقف الجنود مندهشين من فعل ثلاث كلاب تنهش بجثة أحد الضحايا المسجّاة قرب دبابتهم.

كانوا يتحدثون العبرية بكلمات لم لا افهم مضمونها على نحو ” واو.. يا إلهي … ” 

أما أحد رجال الإطفاء، فقد رصد بهاتفه المحمول هجوماً من القطط الجائعة على جثث طارت على بعد شارعين من قصف قريب؛  سبقت القطط فرق الانقاذ، كانت الجثث تحترق من جهة، ومن الجهة الأخرى تنهشها أنياب القطط. لقد دققت في المشهد ورأيت أن إحدى الجثث تتحرك . 

آخر تلك الحوادث المرصودة كان منذ يومين فقط لجثة سيدة مسنة  طيرها انفجار فسقطت ارضا في وسط شارع أخلته الحرب من سكانه. اقترب كلب من الجثة المسجاة ونال من راحة الموت في حركة جسد يفهم المشاهد منها أن الكلب اعتاد على أكل لحم البشر وأن هذه الجثة لم تكن الأولى في حياته كحيوان نقلته الحرب من تصنيف أليف إلى تصنيف مفترس. 

لقد نُهش دمنا ونحن على قيد الحياة في غابة كلها حيوانات مفترسة .

أعرف عائلة استدلّت على مكان جثة والدها تحت الركام من خلال حركة الفئران الكبيرة – “ابن عرس” – التي كانت تدخل وتخرج من شقٍ في الأرض، وقد لاحظ الأهل وقتها آثار لحمٍ صغيرٍ عند مدخل فتحة صغيرة في ركام البيت المقصوف.  

نعم، كانت القوارض تنهش لحم والدهم.

الحيوانات جائعة والناس جائعة.والموت، تعويذة الشيطان التي أعدها العالم كي ينهش العدم المزيد من لحمنا. 

حين عدت إلى بيتي في آخر النهار، وضعت السيخ الحديدي جانب الباب، وجلست أتحسس موضع العضة التي لم تحدث.

ارخيت  السمع… لا نباح، لا مواء، لا قصف.لكني كنت أعلم أن الوحوش ما عادت تسكن الغابة فقط ، فقد صارت تعبر الشوارع مثلنا، تحكّ أكتافها بأكتافنا، وتلعق جراحنا بلسانٍ يدلق اللعاب على لحمنا.

في أفلام الرعب، هذا لا يحدث… لكنه هنا، وعلى الهواء مباشرة، يحدث. يحدث ويشهد عليه المسلمون والمسحيون واليهود والهندوس والبوذيون والملحدون والكافرون في زمن القرية الصغيرة، ولا يحرك أحد من هؤلاء شىء اي شيء..

د.سعيد محمد الكحلوت 

أخصائي الصحة النفسية وكاتب 

غزة فلسطين..

٢٨/٩/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading