بـ 23 أكتوبر سيمر عامان على رحيلك. ما نعيشه اليوم ليس كالحروب التي عشناها سويًا، بل إبادة وتطهير عرقي مستمر حتى الآن. ومع ذلك لم أصلِّ في الأقصى، ولم تتحرر البلاد. عدد الضحايا من بعدك يا عزيزتي أصبح مئات الآلاف. تخيّلي.. من تبقّى منا يناشد العالم فقط ليُبقيه على قيد الحياة.
لم أسافر كما أردتِ دوماً؛ أُغلق المعبر قبل سفري بأسبوع، ورفح كلها محتلة الآن. لم يتبقَّ لا مدينة ولا مدرسة ولا جامعة ولا حتى حمّام.. نحن نعيش كلنا في الشوارع. أنا نازحة مع أمي وأبي في مواصي خانيونس، ذلك المكان الصحراوي الذي كنا نراه ونحن نعبر الطريق من رفح إلى غزة.
لا تقلقي على أطفالك، هم بخير.. قدر ما تسمح هذه الحياة. لا أعلم إن كنتِ شعرتِ.. لكننا فقدنا صغيرتنا أمل؛ كبرت لتصبح عروس ثم قصفت مع جدها قبل زفافها بأسبوعين.
هُدم منزلنا وكل الأشغال اليدوية والنحاسيات التي جمعتها من رفح ومن سوق الزاوية ومن مصر أصبحت تحت الركام. أمي تبكيكِ كل يوم، وتسأل نفسها: هل خاصمتِها لأنها نزحت مجبرة وتركتكِ برفح وحيدة؟ هل شعرتِ بالأمل عندما جرفوا قبرك؟!
سأخبرك بأشياء أخرى لن تصدقيها.. أصبحت بارعة في بناء الخيم، أغسل الغسيل بيدي، أشعل النار، أميّز المسمار العادي عن الباطون، أركب كارة الحمار بكل ثقة كمواصلات، خذي الكبيرة أستخدم الرمل لجلي الصحون أحياناً. لم تعد يداي ناعمتين ولا أظافري طويلة. أعلم أنكِ ستظنين كل ذلك كذبة وتضحكين.
حتى اسمي تغيّر. أصبحت أسمّي نفسي نجيا، ولم أعد أغضب إن ناداني أحد به. يمكنكِ أن تناديني نجيّااهِ في حلمي وسأجيبكِ بكل حب.
إن كنتِ ترينني وتشعرين بي، فأنا بخير، لا تقلقي. كل ما في الأمر أنني أشتاق إليكِ كثيرًا، وأحتاجكِ أن تأتي أكثر في أحلامي.. كي أشعر أن هذا كله ليس سوى كابوس سنصحو منه معًا يومًا ما.
نجيّا محمود
٢/١٠/٢٠٢٥


