في النكبة الأولى، عام 1948، كانت المفاتيح تتدلّى من أعناق الناس كتعويذةٍ ضدّ الغياب، كأنها تحفظ وعدَ الرجوع في صدورٍ لم تتعلّم بعدُ معنى اليأس. حملوها كما يحمل المرء صوته في الصمت، وناموا بها تحت وسائدٍ من حنينٍ وخرائطَ صغيرةٍ بحجم القلب. ظنّوا أن الغياب مؤقّت، وأن الغبار سينجلي يومًا ليعودوا إلى بيوتهم في المساء نفسه الذي خرجوا منه صباحًا.
أمّا في نكبة السابع من أكتوبر الأسود، فقد تبدّل كلّ شيء؛ لم يعد في الأفق وعدٌ ولا في اليد مفتاح. صارت الخيمة أمنيةً مؤجّلة، والنجاةُ نوعًا من الخيال. لم يعد أحد يخرج على عجلٍ ويترك الباب مواربًا، بل اقتلعوه من وصيده ليصير وقودًا للخبز، نارًا تقيةً من الجوع، لا من الغياب. صار الباب خشبًا، لا رمزًا. صار الرمادُ هو المأوى الأخير للأمل.
في تلك الأرض التي احترق فيها المعنى، لم يعد الأطفال يرسمون بيوتًا ذات نوافذٍ زرقاء، بل يرسمون خيامًا من دخانٍ وأسلاكٍ مشتعلة. والرجال لم يعودوا يتجادلون في السياسة، بل في كيفية جمع الحطب و إشعال النار دون أن تلتهمهم القذائف. أمّا النساء، فقد صرن يخبزن الألم بخبرةٍ تفوق خبز الطحين، ويُغنينَ لأطفالٍ لا يعرفون من الطفولة إلا نكهة الرماد.
لقد تبدّد الإيمان بالعودة، كما يتبدّد الحلم في فجرٍ ثقيل. فالذين نصّبوا أنفسهم قادةً على الناس، باعوا الروح في سوقٍ لا يشتري فيها أحد، وناموا على جماجم المدن دون أن يرفّ لهم جفن. صاروا كأبطالٍ تراجيديين من روايةٍ فاسدة، يتحدّثون عن النصر فيما تتهاوى الجدران من حولهم.
وهكذا، بينما المفاتيح تصدأ في صدور الأجداد، تحوّلت الأبواب إلى رمادٍ دافئٍ في أيدي الأحفاد. وما بين المفتاح والباب — بين الوعد والاحتراق — تمتدّ مأساةٌ لا تشبه نكبةً، بل تشبه نهاية العالم .
إبراهيم عصام
٧/١٠/٢٠٢٥


