"مَصيران" أحلاهُما مُر |

“مَصيران” أحلاهُما مُر

بشوف كتير بوستات عن إنه اللي سافروا خلال الحرب بيدعوا إنهم زعلانين ومهمومين، وأنا كواحد من اللي سافروا بدي أحكي بالموضوع لأول مرة، هل انا نادم على السفر؟ لأ طبعا، ولو رجع فيي الزمن رح آخد نفس القرار، بكفي إنه عندي طفلين وكان كل همي أنجو فيهم، وكل ما مر الوقت بدرك مدى صوابية قراري.

لكن بالنسبة للمعاناة فيكفي إني خسرت كل شي إلي بغزة، كل البيوت اللي عندي فيها ذكريات راحت، خسرت كل ذكرياتي بالمعنى الحرفي، ولما نحكي عن ذكرياتنا مش بالضرورة تكون بتخصنا لحالنا زي بيوتنا، لأ، مهو شارع عمر المختار بيخصني برضو، وشارع النصر والوحدة وسوق الزاوية وفراس، وشارع الجلاء ومخيم جباليا وشارع الترنس، دوار النجمة والشابورة، كل هاي ذكرياتنا.

كنت أحيانا أكتب شي عن همي الشخصي وأمحيه خجلا من معاناة أهلي وناسي بغزة، لأنه كل الهموم ترف أمام الإبادة، بس هاد ما بيعني إنها مش هموم، لكن للأسف صرنا مجبرين على مقارنة الهم بالهم الأكبر، كل الأشياء أصبحت مغلوطة، حتى مفهوم النجاة، يعني أنا مثلا فاقد أقارب وأصدقاء وجيران، فاقد لبيت العمر اللي كنت عامله جنة، ورغم هيك العالم بيسميني ناجي من الحرب، حتى أنا صرت مقتنع إني نجيت لما اقارن خساراتي بخسارات غيري، لكن من جواتي في صوت بيقلي: محدش نجي، لكن حتى النجاة صارت نسبية.

اللي صار فينا كله جديد علينا، حتى الحزن هاد جديد، كما ونوعا جديد.

دايما بحكي لأصحابي: تخيلوا لو حد قاعد كم ساعة عاللابتوب بيعمل شغل مهم، وفجأة تقطع الكهربة ويكون ناسي يحفظ شغله، فرح يقول: يالله رح اعيد الشغل من الأول، واحنا بدنا نعيد كل شي من الأول، بس مش شغل عاللابتوب لأ، حياتنا.

كريم أبو ضاحي

٢٠/١٠/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة