في مخيمات النزوح، لم يعد قرار الاستحمام أمرًا بسيطًا. فالماء هنا لا يُهدَر، بل يُنتزع انتزاعًا كما تُنتزع الحياة من بين الركام. علينا أن نحسب كل لترٍ من الماء كما نحسب أنفاسنا، وأن نخطط ليومين أو ثلاثة قبل أن نحظى بحمامٍ متواضع لا يشبه الاستحمام في منازلنا سوى بالاسم.
في صباحٍ رماديٍّ خرجتُ من خيمتي، أحمل قارورة الماء البيضاء بين يديّ، أبحث لها عن مكانٍ تصافح فيه أشعة الشمس لتدفئها قليلاً قبل الظهيرة. لم تكن المهمة سهلة؛ فكل شيء في المخيم مشترك: الماء، والهواء، والوقت، وحتى المساحات الصغيرة التي نحاول أن نحتفظ فيها بأنفسنا.
عند الساعة الثانية عشرة تبدأ “العملية” كما أسميها ساخرًة، فالحياة هنا صارت سلسلة من العمليات اليومية الصغيرة: جمع الماء، انتظار الخبز، البحث عن الظل، ثم هذا الطقس الغريب الذي يُفترض أنه استحمام.
الحمّام يقع بين الأشجار، محاط بشوادر مهترئة ترفرف بفعل الريح، كأنها تحاول ستر أجسادنا عن أعينٍ كثيرة لا تعرف معنى الخصوصية. لا أبواب تُغلق، ولا جدران تُؤمِّن، فقط تلك الخيمة الخفيفة التي تكشفنا أكثر مما تحمينا.
أفرغت الماء في دلوٍ صغير، واستخدمت الـ«دلّة» لأغسل عن جسدي تعب الأيام. كنتُ أستعجل الخطوات، فكل لحظة استحمام تُرافقها غصة خوفٍ من أن يقترب أحد، أو أن يخترق صوت الطائرة صمت المكان، لا أمان في المخيم.
وما إن لامست قطرات الماء بشرتي حتى غمرني الحنين…
تذكّرتُ حمّام بيتي الذي تهدّم، والدشّ الذي كان يسكب الماء الساخن فينعش الجسد والروح معًا. تذكّرتُ بلاط الأرض اللامع، ورائحة الصابون، وضحكات طفلى التي كانت تتسلل من خلف الباب المغلق. يا لترف الخصوصية الذي كنا نملكه دون أن ننتبه إليه.
اليوم، كل شيء مشترك في هذا المخيم المترامي: الهمّ، والماء، والمكان، وحتى الألم. ومع ذلك، حين أنتهي من هذا الحمام المتعب، أشعر بشيءٍ من الانتصار — انتصارٍ صغيرٍ على القذارة، على الغبار، وعلى فكرة الموت التي تحوم فوقنا كل لحظة.
نعم، ما زلنا نغتسل من الرماد ونحاول أن نحتفظ بملامحنا، كأننا نقول للعالم: نحن أحياء، وإن كانت حياتنا بين الأشجار وخلف الشوادر..
قبل أيام، زارنا قريبٌ عزيز جاء ليشاركنا فرحة الإفراج عن أسيرنا بلال بعد أشهر قضاها خلف قضبان الاحتلال. كان اللقاء مزيجًا من الفرح المرهون بالحذر، والابتسامات المبلّلة بالدموع. جلس ضيفنا، الذي يعمل محاضر في إحدى الجامعات التي دمّرها العدوان على غزة، كمن يحمل ذاكرة الركام في ملامحه.
قدّمتُ له القهوة كما تقتضي العادة، لكنه باغتني بعتبٍ رقيق:
قال إن كتاباتي الأخيرة غارقة في الحزن والتشاؤم، وإن كلماتي لم تعد تمنح الناس بصيص الأمل الذي يبحثون عنه وسط هذا الليل الطويل.
ابتسمتُ بخفوتٍ وقلت له:
“أنا لا أكتب لأزرع اليأس، ولا لأُطفئ ما تبقّى فينا من ضوء، لكني أدوّن الحقيقة كما هي. الواقع لا يترك لنا متسعًا للتجميل، ولا مساحةً كبيرةً للهروب من الصدق. ما نعيشه منذ بداية الحرب ليس مجرد مرحلة عابرة، بل هو جرح مفتوح يصرخ كل يوم، فكيف أكتب عنه بلغة وردية؟”
سكت الرجل قليلاً، ثم قال:
“ربما نحن بحاجة إلى من يكتب الأمل، لأن الألم بات يكتب نفسه في كل زاوية من غزة.”
كلماته تركت في نفسي أثرًا عميقًا، وجعلتني أفكر:
هل من واجب الكاتب أن يجمّل الواقع ليخفف وطأته، أم أن عليه أن يواجهه بالصدق مهما كان قاسيًا؟
في زمن الحرب، لا تكون الكتابة ترفًا، بل شهادة.
حين يكتب الناس عن الألم، فهم لا ينشرون التشاؤم، بل يوثقون الوجع كي لا يُنسى. وفي غزة، لا نملك رفاهية الفرح الكامل، لكننا نملك إرادة البقاء، وهي بذاتها شكل من أشكال الأمل، حتى لو كان صامتًا ومتعبًا.
قد نبدو متشائمين في عيون البعض، لكن الحقيقة أننا نحمل في داخلنا إصرارًا لا يُرى بالعين، لأننا نكتب كي نعيش، ونعيش كي لا تُنسى الحكاية.
حكمت المصري
٢٤/١٠/٢٠٢٥


