في صباح هذا اليوم 26 أكتوبر 2023 انتهت رحلة عبد الله في هذه الأرض..
هبَّ عبد الله في حياتي مثل نسمة لطيفة، كأنما هو ملاك نزل إلى الأرض مبشراً بالحب والنقاء ثم رجع سريعاً إلى وطنه الأصلي في دار السلام..
زار الجامع العمري القديم في غزة ذات مرة، فتعلق قلبه به، وألح علي بعد ذلك أن يعتكف فيه..
عبود كان مقبلاً على الحياة بشغفٍ، يفاجئني دائماً بمواهبه التي تسبق توقعاتي، كان يرسم، ويخترع بعض الأدوات البسيطة، ويكتب سيناريو فيلم درامي قصير من خياله ويعد نشرة أخبار من واقع مأساة بلده التي تفتح وعيه عليها، ثم ينفذها بكاميرة هاتفي.
كان مرهف الحس، حنونا، ممتلئاً بطاقة الحياة، يحب السباحة وكرة القدم، وكان مدفوعاً بفضول الاستكشاف، ذات مرة كنا نجلس في السوافي، فرأى حشرةً غير مألوفة تسبح على الرمل، قال لي: بابا، هل اكتشف العلماء كل الحشرات؟ ماذا لو أنهم لم يكتشفوا هذه الحشرة بعد؟ أريد تسجيل اكتشافها باسمي. أخذ مني هاتفي وصوَّرها وسجل في التصوير اسمه وتاريخ التوثيق، وذات مرة سألني عن الحيوانات التي انقرضت فذكرت له الماموث، فطلب مني أن نشاهد وثائقيا عن الماموث.
قررت إسرائيل أنَّ عبود وأكثر من عشرين ألف طفل فلسطينيٍّ آخر لا يستحقون الحياة.
أزهقت إسرائيل عشرين ألف روحٍ جميلة كانت مقبلةً على الحياة ببراءة وحبٍّ وتوقٍ إلى الاكتشاف والإبداع.
إسرائيل لا تقتل الأطفال الفلسطينيين بالخطأ، بل تقتلهم وفق استراتيجية مقصودة لأنها تراهم “خطراً ديموغرافياً” ولا تراهم فرصةً لإعمار الأرض وإثراء الحياة.
عاش عبود حياةً قصيرةً في عالم لا يشبهه، كان عبود مقبلاً على العالم بحبٍّ وبراءة وإيثار وعطاء، لم يكن عمره القصير كافياً لاكتشاف التوحش والقسوة في هذا العالم، رحل حتى قبل أن يعلم أن الأطفال يمكن أن يقتلوا بدون سبب.
كان عبود يظن أن هذا العالم مكان آمن وأن والده قوي بما يكفي ليحميه، اختطف وحش الموت عبود وهو بجواري يتكلم معي ولم أستطع حمايته.
عبد الله كان قد أشعل في نفسي الحنين إلى عالم النقاء الذي جاء منه، ورحيله أشعل في نفسي الغضب على نظام استعماري عنصري يظن أن بقاءه وازدهاره يمكن أن يبنى على جماجم الأبرياء وأن يسقى بدموع الأمهات والآباء.
أحمد أبو رتيمة
٢٦/١٠/٢٠٢٥


