من غزّة إلى السّودان |

من غزّة إلى السّودان

بعد أسبوع من وصولي إلى مصر هاربة من الحرب أنا وأسرتي الصغيرة في نهاية ابريل 2024، التحقت بورشة ليوم واحد حول الكتابة، فقلت ربما هي مساحة لاستعادة النفس بعد كل ما مرت به خلال 200 يوم من النزوح والقصف وكل ما مرّ به أمثالي، المهم أنني حين وصلت، وبعد التعارف، مال قلبي لفتاة سودانية كانت هناك، وبدأنا نتحدث عن الفقد وعن النزوح والخوف والأمهات و أوجاع الصغار والكبار، وعلى ما يبدو أنني ملت إليها لأنني أعرف جيداً جرحها، وهي تعرف جرحي.

أعادني هذا الموقف إلى أول يوم لي في الصف السادس في المدرسة الابتدائية، حيث اتجهت مباشرة إلى زميلتي سحر، والتي أعرف مسبقاً بوفاة والدها، وقد كان والدي قد توفي في إجازتي الصيفية قبل أن أترفع للصف السادس.
صديقتي القديمة لاحظت اتجاهي لزميلتي سحر، دون أن أتحدث، كنت فقط أرافقها، وأحاول الابتعاد عن كل من أعرفهم، هكذا بكل بساطة، كنت أشعر أنني صرت شخصاً خاصاً بوجعه الجديد، ويميل لمن هم شبهه، وفي هذه الحالة كان فقد الأب.

الناس تميل لمن يدرك وجعها جيداً، وتذهب لمن يحس بها، وتحكي مع من يتفهم ما تمر به، أنظر في وجوه الصغار السودانيين والفلسطنيين الفارين من الحروب، وأحمد الله أن هناك من سلم من البطش والموت، على الأقل بإمكانهم الآن أن يضحكوا بعيداً عن كل الموت، رغم كل ما يشعروا به، إلا إنه من حقهم ومن حق كل خائف أن يهرب، لأن الحرب لا ترحم، والعالم الذي لا يدرك حجم المأساة لايهمه سوى التنظير والحديث من الأبراج العاجية عن أهمية الصبر ودرجات الصابرين، فيم يموت الصابرون كل يوم جوعاً وخوفاً واشتياقاً ولوعة، وألماً وتحسراً.
هبة الآغا
٣١/١٠/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة