آخِر صورة |

آخِر صورة

لقد بدأ العدّ التنازلي على أقسى ثلاثة أشهر من كل عام حيث البحث المستمر عن تعريف النهاية، وداعُ الأشياء التي كانت قبل عامين موجودة تتنفّس وتكبر وتتجدّد بالحداثة وعوامل الطبيعة وضربات الموج وروح البيت وضحكات أصحابه. قبل عامين من الآن كان لي تعريفٌ مبسّط عن ماهية الوداعات، لم يكن في وقته كذلك لكنه اليوم، حين أضحت إمكانية العودة مستحيلة، جوفاء، ومعقّدة حتى في الخيالات، صار شبحًا!

أكتوبر، نوڤمبر. ديسمبر، ومن ثمّ غادرتُ غزة.

ثلاثة أشهر أخيرة، أنهيتُ قبلها مرحلتي الجامعية، وجلست أفكّر فيما يليها. في كل زاوية من زوايا البيت تكوّرت، خفت، وتعرّفت على شكل نوبات الهلع التي لم تفلح الحروب الثلاث في لعب دورها المثالي في خلقها داخل جسدي من قبل. تساءلت من أنا؟ وماذا عليّ أن أكون؟ لم أعرف ماذا أحبّ.. فشلت كل محاولاتي في صنع كعكة دون مناسبة، وعلى الرغم من أنها كانت أكثر الأيام التي تدرّبت على التزام الصمت فيها لساعات متواصلة إلا أن أشباح كثيرة كانت تصفّق لي كلما ابتلعت صوتي داخل رأسي، كانت محاولة إصرار جادّة منها لكي تفرش ما أهرب منه أمامي في كل مكان، على رخام المطبخ كلّما هممت بصنع فنجان من القهوة.. على طاولة الطعام وأنا أبتلع خوفي المر. وراء النوافذ كلّما جادلتني الستائر وأنا أسدلها عن جمال بقعة الضوء خلفها كي أبقيها مفتوحة لتحتضن النور.. وفي سريري.. بؤرة ارتجافي. 

إلى أن جاء ذلك اليوم الذي انتهينا فيه أنا ونضال من تصوير برنامج “من بحر غزة”، ليخبرني أن كشف الأسماء قد تم إعلانه، وأن اسمينا مدرجان في الكشف للسفر بعد يومين فقط. وقفت، تيبّست، مرّ في رأسي شريطٌ سريع أذكر بحذر شديد تسلسله إلى اليوم عن كل الأشخاص والأماكن في حياتي رأيتها تسقط كلّها وتُسقط معها كل الصّمت الذي تدرّبت عليه في تلك الأيام. صرخت إن كان هذا ما أريد؟ أن أبتعد عن كل تلك الوجوه؟ البيت؟ عائلتي؟ أرض جدتي؟ البحر وأصدقائي؟ إلى ماذا؟ حتى سكتت هذه الضوضاء في لحظة بكاء كالنار.

كنت أواسي نفسي بالعودة، رسمتُ في خيالي أنني سأعود بجيوب ممتلئة كي آكل في كل مطاعم البلد، كي أذهب إلى سوق فراس وأشتري كل الملابس المستوردة دون حسابات. فكّرت أيضًا بخدعة أن يحبّ الإنسان الشيء أكثر حين يبتعد عنه ويشتاقه. وأن أتدرب على المشي في الشوارع البعيدة ليلًا دون الخوف من المساءلة واستخراج الهوية لشبهات أمنية وأقول إن فشلت في كل هذا، حتى لو بالمال اليسير الذي أملكه، بمصروفي الشخصي من والدي سأعود إلى بيتي وأرمم كل العطب، إلى بيت ستي في مخيم الشاطئ سأعود، وقبل أن أصل سأشتري ساندويشة فلافل من أبو أحمد الذي بينه وبين تغيير زيت القلي مئة ثأر، إلى بيت عمتي في مخيّم جباليا سأعود، لأفتّ الخبز في الشاي وأضيف أربع ملاعق كبيرة من السكر غير آبهة بأضراره.

الحقيقة أنني بحثتُ عن غزة كثيرًا بوجودها، وأكثر بعد ابتلاعها. لكنني ومنذ اللحظة الأولى لسقوطها نمتُ على جنب واحد بعيون مفتوحة أفكّر من يملك أن يعيرني وسيلة فعّالة كي أعيد بها في رأسي ترتيب تعريف العودة بعد ابتلاع المدينة، وبيتي، وجدّتي، وأصابع يدي العشر؟

هذه الصور من آخر يوم تصوير لبرنامج “من بحر غزة” قبل مغادتي غزة بأيام قليلة. حيث كان من أقسى الأيام على قدر جماله بعدما بدأ بتصوير الحلقة الأخيرة للبرنامج وانتهى بزيارة لأرض جدّتي في الشمال مع العائلة. الصورتان من بداية اليوم ونهايته.

رُبى عطا اللّه

2/11/2025

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة