في بداية الحرب قلت لأبي “رحمه الله” هذه الحرب لن تطول كثيرًا، كان ذلك في اليوم العشرين على ما أعتقد، ضحك ضحكته المعتادة وقال ساخرًا، ستكون طويلة جدًا، صدّقني.
توقّعي الأمني بنيته على عبارة شهيرة مفادها أن جيش الاحتلال لا يقدر على الحروب الطويلة فأخبرته بذلك، فضحك ضحكة هستيرية هذه المرة وقال، الحرب الطويلة لعبة إسرائيل أصلاً.
قلت له؛ التاريخ يقول بأن كل حروبها غزوات، إسرائيل تحب الحرب الخاطفة، طول الحرب يستنزفها خاصة مع غزة، التي تجيد التعامل مع حرب العصابات، وهذا مؤلم للجيوش.
عدّل من جلسته وقال مستنفرًا، هذه لن تكون حربًا اعتيادية يا بنيّ، هذه الحرب ستحرق غزة كلها، بيت بيت، وشارع شارع، لن يتوقفوا حتى تصبح غزة أرض محروقة، أشبه بخرابة.
استنكرت وقلت؛ الخسائر الفادحة ستجبرهم على التوقف، إسرائيل لا تتحمل الخسائر اليومية، وستكون خسائرهم بالمئات، ويتراجعوا رغمًا عنهم، هذا ما حدث في حرب 2014.
قال غاضبًا، لن يكون هناك شبيه لهذه الحرب يا مجنون، هذه حرب العالم كله ضد غزة، إسرائيل حصلت على شرعية القتل، لن تتوقّف حتى تجثوا غزة على ركبتيها، إن لم تستسلم.
تستسلم قلت مستهترًا، يبدو أنك تعيش في زمن الــ 48 يا حبيبي، غزة تغيّرت يا حج، عاد لضحكته الساخرة وقال، كل شيء تغيّر عدا عقلية غزة، والتي ستتغيّر بالقوة، وسترى.
الجبهات الأخرى كانت لا زالت محتشمة، فقلت؛ حين تدخل الجبهات الأخرى ستتغيّر المعادلة، وتصبح إسرائيل في ورطة، ولن تتحمل كل هذه الجبهات مرة واحدة، وستتوقف الحرب.
قال بِحدّة كبيرة، لن تتوقّف حتى تصبح غزة هوريشما أخرى، القرار الدولي صدر، وهو أن تُمسح المقاومة من ذاكرة غزة، هذه العملية لا يمكن التسامح معها، والتبعات ستكون كارثية.
لم نتفق حينها، غير أن كلماته بدأت تتحقّق يومًا بعد آخر كأنها وحيّ إلهي، كل كلمة قالها صارت بالحرف الواحد، ثم مات في هذه الحرب “رحمه الله”، لو كان بيننا اليوم لاعتذرت له.
رحم الله أبي،
كان يشبه الأولياء،
حسن القطراوي
٢٩/١١/٢٠٢٥


