إنكار |

إنكار

جلست في المقهى، أو بالخيمة التي تدّعي أنها مقهى، لأتابع محاضرات الماجستير، وطلبت قهوتي المعتادة، قاسية وثقيلة، لكنها لطيفة على قلبي.

لم يكن هناك أحد سواي.. حتى دخلت فتاة تحمل في ملامحها كل مقاييس الجمال الممكنة، جميلة جدًا.

ابتسمت لي وجلست على الطاولة المقابلة، بينما انشغلت بين المواقع وإيميلاتي والفيس بوك، دون أن أشعر بمرور الوقت.

فجأة، سمعت صوت ضرب الطاولة. رفعت عيني لأجدها تضرب الطاولة بغضب، تتكلم، ثم تضحك. في البداية ظننت أنها ترتدي سماعات، لكن الأمر لم يكن كذلك.. كان أمامها كرسي فارغ، منغمسة في حديث جدي مع فراغ يجلس أمامها.

شعرت بالحزن عليها، لكنني أكملت عملي.. كلنا نحمل صراعاتنا الداخلية، كلنا مرضى الآن.

حتى طلبت من صاحب المقهى فنجانين من القهوة، وضعت فنجان لها وفنجان للكرسي المقابل لها.

صراحة قلقت وتوترت واخترت طاولة الوراء آخر المكان وجلست بهدوء لم تلاحظه هي..

شعر صاحب المقهى بخوفي وتوتري، فبدأ يخبر الصبي لديه القصة بصوت عالي لأسمع..

هذه الفتاة قريبته تأتي كل يوم وتتناول القهوة مع زوجها المتوفى، وبحياتها الطبيعية هي بخير، إلا أنها ما زالت لا تعترف وتنكر موته، فهي اجتمعت به بعد صراع لسنوات بين العائلات، وتزوجا بالإبادة وفقدته بالإبادة.

هي خريجة جامعة وناجحة جدًا بحياتها، إلا أنها مكملة حياتها على ذلك النحو، تشرب القهوة معه يومياً.

في كل شبر بغزة، قصة يجب أن تُحكى. فالبشر لا ينهارون حين تحرق مدنهم فقط، بل حين يُحرق 

الإيمان بالآخر، بالحب، بالحياة نفسها.

نجيّا محمود

١/١٢/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة