قَميص أزرَق |

قَميص أزرَق

دَخلت محل ملابس لأشتري لملك مريول مدرسة، لحظة عادية من لحظات الحياة التي نسرقها من بين أكوام الخراب.

في المحل، رفوفٌ ملونة، ضجيج خفيف لولد يجرّ أمَّه، رائحة قماش جديد لم يلمسه أحد بعد، زبائن وباعة، وجوه متعبة وارواح ثقيلة على اجسادها.

في اخر زاوية في المحل، بجانب غرف القياس، امرأة واقفة أمام مرآة طويلة، ترفع قميصاً صغيراً، قميص مدرسة أزرق باهت. تقرّب القميص من جسدها، ثم تبعده، ثم ترفعه إلى الأعلى كأنها تقيسه على ظل معلق في الهواء، كانت تتحسس الكمّين، وتعد أزراره ببطءٍ موجع، وتبتسم. ابتسامة مدفونة في مكانٍ آخر، لا علاقة لها باللحظة ولا بالمحل ولا بهذه الأرض كلها.

اقتربتُ خطوة… خطوة أخرى. لم تكن تَراني ولا ترى البائع الذي تجمد عند الكاشير، ولا سمعَت مناداة الشاب الذي قال لها مرتين: “خالة… بدِّك مقاس تاني؟”.

كانت في عالَم آخر.

فجأة رفعت القميص أمام المرآة كأن أحدهم واقفا خلفها، ثم مالت برأسها قليلًا، وضحكت ضحكة قصيرة، تلك الضحكة التي يشبه صوتها باباً يُغلق على الدموع.

قالت بصوت مسموع:

“لا… هادا كبير عليك شوية… انتَ لسه صغير، بدي أصغر منه”

تسألني ملك: “بابا، مع مين بتحكي هاي المرا؟”

ألتفت إلى البائع، رأيته يهز رأسه بحزن، ويكتم شيئاً يريد أن يقوله.

اقترب منها وقال بلطفٍ مكسور:

“يا خالة… كل المقاسات موجودة… خدي راحتِك”.

لكنها قاطعته دون أن تنظر إليه:

“هو بحب اللون الأزرق… كان يزعل لما يوسخ قميصه… وأنا كنت أصرخ عليه. لو يرجع… لو يرجع بس يوم… ما برفع صوتي عليه. أقسم بالله ما أرفع صوتي”.

ثم أخذت مقاساً أصغر، احتضنته لصدرها كأنها تضم أحداً، أحداً يجب أن يكون هنا، واقفاً، متململاً، يقول لها: “يمّا خلصيني بدي أروح ألعب”.

كانت تحدثه طوال الوقت.، تقول له: “بكرا دوام… بدك تصحى بدري”.

وتضحك للمرآة.

وتصمت فجأة… كأنها تتذكر شيئاً لا تقدر على احتماله.

اقتربتُ أكثر.

شفتاها ترتجفان.

عيناها معلقتان في مرآة تعكس آخر صباحٍ وقف فيه ابنها أمامها وهي تُعدّل له ياقة المريول، وتجهز حقيبته، وتقول له: “بتروح من المدرسة عالخيمة عطول، تروحش تكيات، اليوم عاملالك فراشيح فلافل الي بتحبها”.

قلت للبائع بصوت خافت:

“الله يعينها”.

ردّ علي دون أن يرفع رأسه:

“كل يوم بتيجي… كل يوم بتشتري قميص وبتيجي تبدلو تاني يوم… بتحلف إنه لسه عايش… وإنه راح يرجع يلبسه”.

وجدت نفسي أضمّ مريول ملك بقوة، كأنني أختبر حقيقة أن ابنتي ما تزال هنا، تتنفس، تضحك، وتصرخ عليّ حين أتأخر عنها.

أردت أن أقترب من المرأة، أن أقول شيئاً، أي شيء.

لكنها خرجت من المحل قبل أن أستجمع نفسي، تحمل القميص بين يديها كمن يحمل قلبه النازف… وتحاول حمايته من الغبار.

وقفتُ مكانها، أمام المرآة نفسها.

لم أرَ وجهي.

رأيت غزة كلّها ترتدي قميص مدرسة أزرق صغير، مقاس طفل سُجل في قوائم الغياب عن المدرسة للأبد..

رائد اشنيوره

01/12/2025

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading