فَنّان الشّاشة وَفَنّان الواقع |

فَنّان الشّاشة وَفَنّان الواقع

شاهدت مقطعا للفنان محمد صبحي وهو يوبّخ سائق سيارته، لأن الأخير تأخر أقل من دقيقة، وهي تقريبا مدة المقطع نفسه.

السائق، كما تقول المصادر، رجل على حافة الستين، لم يصبغ شعره كما فعل الفنان، ولم يرقص كما رقص قبل قليل على منصة التكريم حين قال له صحفي: “يا فنان، حاسس صحتك مش تمام” ، فانتفض يقفز راقصا ويدافع عمّا شعر أنه تهمة أو إهانة، مع أن صحة الإنسان بطبيعتها لا تكون دائمًا على ما يرام، فما إدراكنا بحال رجل جاوز السبعين بنصف عقد.

تأخر السائق عن سيده، وربما كان السبب بسيطا جدا؛ مثانته امتلأت. والمثانة بعد سن الستين لا تراعي كثيرًا قواعد البرستيج، ولا تعبأ بأناقة الموقف ولا بالكاميرات.

أحزنني شكله حين وصل، فوجد الصحفيين والنشطاء والعدسات تحيط به من كل جانب، توثق إهانته على الهواء مباشرة، كأنها مادة ترفيه لا مشهد إنساني.

لم يكتفِ الفنان بتوبيخ الرجل ونعته بـ” الزفت” بل قاد السيارة مسرعا وترك السائق خلفه يركض محاولا اللحاق به، لعل سيده يقبل الاعتذار. بدا “عمّنا السواق” في تلك اللحظة كطفل تركه والده ومضى دون أن يلتفت. وضعت نفسي مكانه، ولم أستطع تحمّل ما تحمّل.

هذا الموقف من صبحي، وهو الذي لا ينفك يظهر بدور الناصح والأمين والحكيم الذي لا يشق غبار حكمته، أعاد إلى ذهني رجلا أعرفه جيدا، كان من أشد أنصار المرأة، لا يترك منصة تدافع عن حقوقها إلا وكان في مقدمة الصارخين في وجه ذكورية المجتمع العربي الطاغية، حتى ليخيّل للمرء أن صراخه قادر على إسقاط أكبر شنب مهما كان منتصبًا. لكنه في أحد الاحتفالات، تنحّى جانبا وصرخ في وجه هاتفه: “يا بقرة يا بنت البقر، أنا في اجتماع، بكفي رن/ رن/ رن” ثم ضرب الهاتف بيده ليقطع الاتصال، وعاد مبتسما ليكمل نضاله النبيل دفاعا عن حقوق المرأة مع شريكات النضال على المنصة العريضة جدا. 

أنا من المعجبين جدا بالفنان كاظم الساهر، أترقب جديده، وأحب تلك المكانة الرفيعة التي منحها للمرأة غزلا وحبا واحتراما. 

لكنني لم أستطع تجاوز مشهد معاملته لسيدة من معجباته حاولت، بفرح طفولي عفوي أن توثق لحظة عابرة جمعتهما. فشلت في التقاط الصورة الأولى، ثم الثانية، فلم يطق الفنان صبرا، وانتفض غاضبا في وجهها، في لحظة كان يغني فيها قصيدة “دلع النساء” 

في مثل هذه المواقف، تنكشف الحقيقة بلا حاجة إلى خطب أو شعارات. القيم لا تُختبر على المنصات ولا أمام الميكروفونات، لكنها تظهر في التفاصيل الإنسانية الصغيرة .

كل شيء قد يُؤخذ بالنيات، إلا القيم، فهي تُقاس بالأفعال، وأولها الدين. لذلك صدق من قال، ولا أعرفه: لا تتحدث عن القيم، دعني أراها في سلوكك. وعاشت المرأة عربية حرة.

د.سعيد محمد الكحلوت 

أخصائي الصحة النفسية وكاتب 

غزة فلسطين

13/12/2025

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading