غزة الشيخ، والجني، والجسد الهزيل |

غزة الشيخ، والجني، والجسد الهزيل

اللوحة للفنان فادي حلّس

يعجّ الفيسبوك، منذ بدأت حرب الإبادة، بكتاباتٍ ساخطة على من اوصلهم الى هذا الحال، وبنقد يفيض بالشتائم ومرارة السخرية. تحوّل الفضاء الأزرق إلى ساحة رجم مفتوحة، ليس بسبع حصوات ولكن بالاف المنشورات؛ كلٌّ يرمي على قدر نقمته وقدرته على التعبير، ومن لا يكتب على صفحته يرجم في التعليقات.

الأمر أبعد بكثير من تصادمٍ حزبي، وقد تجاوز ذلك إلى انفجارٍ جماعي.

صار ما يحدث أشبه بطقس استشفاء يائس، محاولةً محمومةً لاستعادة جسد منهك من روحٍ متلبّسةٍ، جسدٍ يتصبب عرقا ولا يكاد يتنفّس ، شتائم، أدعية ، تعويذات ، استغاثات متتابعة ، إحساسٌ عامٌّ بأن هذا الجسد لن يشفى.

كان في حارتنا شيخٌ مختصٌّ بإخراج الجنّ من الملبوسين . له خيمة في الخلاء، رغم أن منزله لم يكن بعيدا عنها ، وكأن الطقوس لا تكتمل الا خارج العمران ، وأكثر زبائنه – أو مرضاه – من النساء. ياتين اليه للعلاج من مناطق بعيدة في القطاع وكان، بعد أن تفشل التعاويذ والطلاسم، يلجأ إلى الضرب بالعصا. المرأة تصرخ وتهرب في العراء ، وهو يرفع عصاه الغليظة ويهوي بها ويصيح : «اخرج… اخرج». 

لكن ما الذي يطلبه أهل غزة حقًا من هذا الصراخ المتصاعد في الفضاء الأزرق؟

يريدون خروج الفكرة التي طمست البداهة واستبدلتها بالسحر والدخان والأبخرة. يريدون انتصار العقل في مواجهة الوهم، والحكمة في مواجهة الاستعراض؛ أو لعلّهم، في العمق، يريدون الانتقام 

منذ عامين، وغزة كلّها في الخيمة.

غزة تصرخ وهي تَضرِب،

وغزة تُضرَب وهي تصرخ،

غزة الشيخ، والجني، والجسد الهزيل معًا.

وبالمناسبة، بعض الحالات كانت تفارق الحياة تحت عصا الشيخ الغليظة…

ولا يخرج الجني من جسد الضحية.

عاهد حلّس

١٩/١٢/٢٠٢٥

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading