متى زارت أُم كلثوم بيتنا! |

متى زارت أُم كلثوم بيتنا!

تَساءَل أحدهُم، “كيفَ زارَت أم كلثوم بيتَنا! فوجدتني أكرّر السؤال؟! نعم، كَيف زارت أم كلثوم بيتنا، ومتى؟!

هل كانَ ذلك عندما كُنّا أطفالاً، بينما َصَوتُها يَصدحُ من راديو قديم وبخلفيته خَرخشة مزعجة كانَ هذا الصّوت كفيلاً بِتهذيبه وتهدئته؟!

أم من مُكبّر الصوت الخاص ببائع الخضار عندما أخطأ في إحدى المرّات وشَغّل “بنُور محيّاك” بدلاً من نِدائِه المعهُود؟!

أم عندما تَوارى القمَر عن الأنظار وانسحبّت أشعة الشمس لتُذيب ما تبقى من الحنين فينا، بينما صوت “السّت” قادمٌ من بيت أحد الجيران… “رجّعوني عينيك؟!”

أو رُبّما في ذاك اليوم، حيثُ كان شَابٌ يجلِس بِجانبي في السيارة وهو يُحاول بيَده المُرتجفة أن يُسابِق الزّمن ويُخبر حبيبته برسالة بِأنه لا يقوى على البُعد، بينما سائِق التّكسي القاسي يطرَب على، “تفيد بإيه يا ندم، وتعمل إيه يا عتاب”؟!

أم وقت الحرب وزخّات الرّصاص عندما تسلّل صوت “السّت” من بين تشققات البيّت ومن خلال فتحة البلكون المكسورعلى إيقاع نحيب النّسوة وقرقعة جنازير الميراكفا؟! عندها كان كأس الشاي بيدي فَصِرتُ تلقائيّاً أُدندن معها:” ازاي ازاي ازاي، أوصفلك يا حبيبي ازاي”؟!

أم حينما كُنتُ جالسة مع جدتّي في قَبوٍ قدِيم ينتشر الغُبار فيه وتتناثر بقايا الفواكه على أرضه وسمعت، “أغدًا ألقاك، يا خوّف فؤادي من غدٍ”، وصارَت جدتي تُغّني معها، “يا لشوقي واحتراقي في إنتظارِ الموعدِ”. 

حاسّة السّمع لدى جَدّتي كانَت ضعيفة، لكنّني أدركت في تلك اللّحظة أنّ احساسَها يتوّلد مع اقتراب ذبذباتِ الصّوت دون حاجتها لأيٍّ من حواسِها الخَمس!

أتعلمون متى عرفت كيفَ دخلت “أم كلثوم” بيتنا خِلسة…

لم يكُن ذلك عبر جهاز “الرّاديو” القديم ولا من فتحة البلكون المكسور…لا…

بل عندما كان جدّي المُتّسلّط على طفولتنا ينتقِل من قناة إلى أخرى ليتوقف فجأة عند سماع صوتها ويُردّد جملتَه الخالدة: “عظمة على عظمة على عظمة يا ست”. 

لقد اصبحت هذه العبارة وسيلتنا أيضاً للتعبير عن انبهارنا بصوت “أم كلثوم”.

في الشارع، عندما شاهدنا أحد الأطفال يتشقلب لأول مرة. في المدرسة، حِين حفظ صديقنا قصيدة “صوت صفير البلبل” في يومٍ واحد. ونَحنُ، عندما أتقنّا الدبكة لأول مرة.

“أم كلثوم” جين نتوارثه. هو أعمق من ذكريات طُفولية. هي الأنغام التي رقصنا عليها في شبابنا.

صوت السّت يهرُب بنا من الواقع إلى فانتازيا الخيال.

سجى صلاح الدّين

فلسطين

10/1/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading