أنا بخير
كذبة صغيرة، بحجم حبة قمح، تنبت غابة كاملة من الإنكار، أرميها في فم النهار كي لا يسمع قلبي صريره وهو ينكسر.
جملة جاهزة، مغسولة، صالحة للاستخدام اليومي، أضعها لحنا لعصفور الصباح، كي يغني لي بعض الألم.
أنا بخير..
فهذا الجسد ما زال يتذكر شكله، يعرف عدد أضلاعه، ويحصي خساراته دون أن ينهار علنًا.
لم أسقط بعد، وهذا وحده صار تعريفًا للسلامة.
هذا الجسد مزدحم بما لا يدركه المعنى،
تشققات في الوقت، صدأ في الحلم، هواء مكسور يدخل الرئتين بلا إذن، ويخرج مثقلاً بالأسئلة.
الوجع مادة
ثقل
معدن بارد تحت الجلد
شيء يتكون ببطء
كالعفن في زوايا لا تصلها الشمس.
أنا بخير..
ما زلت أفرق بين الألم والعدم، بين الجرح المفتوح والفراغ الذي يبتلع أسماءنا،
أستطيع أن أقول: هنا ألمي
الحرب لم تقتلني، الشتاء لم يلقي قلبي في اليم
الخراب فعل كل ما يتقنه
تركوا فيّ صمتا ثقيلا
لا يشبه الصبر
ولا يشبه الحكمة
ولا يشبه أي فضيلة معروفة.
أعدّل جلستي داخل الخوف
أرتّب فوضاي كي تبدو حياة
أقنع الذاكرة أن ما حدث كان تدريبًا
وأن الخراب مجرد مرحلة لغوية
ستزول بتغيير المفردات
لكن الكذبة عنيدة
تتكاثر كلما حاولتُ تبسيطها
تقول لي: لا تبالغ
وتنسى أن المبالغة امتياز الأحياء
وأنني أعيش على الحد
بين شاهدٍ وجثة مؤجلة..
أنا بخير..
ولا أحد يصدق
ولا أنا
لكن الكذبة، حين تُقال بصوت منخفض
تصير نوعًا من النجاة المؤقتة
حجرًا صغيرًا نضعه
تحت رأس الروح
كي تنام دقيقة إضافية
قبل أن تعترف بالحقيقة..
أنا بخير..
ولا أملك دليلًا واحدًا على ذلك
سوى قدرتي على الاستمرار
والاستمرار ليس حيلة
بل عادة مكتسبة من قلة الخيارات
الخير فكرة بعيدة
نجم لا يُرى من هذه الزاوية من العالم
والجملة الأولى
لم تكن سوى محاولة يائسة
لتأجيل الانهيار دقيقة أخرى.
أنا بخير…
هكذا أقولها
وأنا أكذب
لأن اللغة، أحيانًا
آخر أغنية
أحتمي بها من نفسي.
رائد إشنيورة
18/1/2026


