دَعني أكذِب...نَحنُ "بخير"  |

دَعني أكذِب…نَحنُ “بخير” 

دَعني أكذب عليك قليلًا، فقد مللت من الصدق:

لقد اختفت أكوام الركام وجبال الردم تمامًا، ولم يعد لدينا خيام. وما حاجتنا للخيام أصلًا؟

المشافي تعمل بكامل طاقتها، ولا وجود لمستشفيات ميدانية تعرقل حركة السير.

وعلى سيرة السير، الشوارع كلها معبّدة، يمكنك أن ترى لمعان الإسفلت، والسيارات تمضي على الوقود والغاز، والغاز والوقود في متناول الأيدي.

حمير؟! هل سمعتك تقول حمير؟

لماذا تسير الحمير على الطرقات؟ أيُعقل ونحن في عام 2026؟ نستخدم الحمير للمواصلات؟! 

نسيت أن أخبرك عن الطوابير: الطوابير صارت من الماضي، لم نعد نرى أي طابور.

لا على الخبز، ولا على الماء، ولا على الدواء.

حتى الانتظار نفسه وجد ما يشغله عنا ورحل.

والسماء؟ 

_ السماء صافية تماما. 

لا طائرات فيها إلا تلك التي تحمل السيّاح، والبحر مفتوح لمن يريد السباحة لا للهروب.

الأطفال يذهبون إلى مدارسهم بحقائب جديدة، ويعودون بواجبات منزلية مملة، لا بقصص نجاة.

الكهرباء لا تنقطع إلا عند النوم، والماء يصل البيوت بانتظام، لا ننتبه لطعمه لأنه صار عاديا.

الإنترنت سريع، والاتصال مستقر، ولا أحد يختفي فجأة لأن الشبكة خانته أو لأن المكان لم يعد موجودًا.

المقابر؟ لا توسّع فيها ولا ازدحام.

والصور على الجدران عادت صور أعراس وتخرّج، لا وجوه معلّقة عند مفترقات الطرق.

أما الأخبار، فهي مملة جدا.

لا عاجل، ولا شريط أحمر، ولا محللين يتنافسون على عدد الضحايا وتضخيم عضلات الإنسان المكلوم. 

العالم مرتاح، ونحن مرتاحون، والضمير العالمي أخذ إجازة طويلة لأنه لم يعد هناك ما يقلقه.

حتى الحزن صار من الكماليات.

من أراد أن يحزن فعل ذلك في غرفته، بهدوء، دون أن يزعج أحدا.

ومن أراد أن يكتب، كتب عن الطقس، وعن القهوة، وعن الادب وعن خطط نهاية الأسبوع.

نحن بخير…

لدرجة أنني أستطيع الآن أن أكذب عليك دون أن أرفع صوتي،

ودون أن أشعر بالذنب،

ودون أن أحتاج إلى شرح.

لكن اسمح لي،إن انقطعت الكذبة فجأة،أو سقطت من بين يديّ،فاعلم أن الحقيقة ثقيلة، ولا تجيد الوقوف طويلا في نص واحد.

هل صدقت ذلك؟! اذا اعجبتك الكذبة فانقلها لاصدقائك لعلها تصير حقيقة يوما ما .

د.سعيد محمد الكحلوت

أخصائي الصحة النفسية وكاتب

غزة فلسطين

18/1/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة