أسير ذاكرة |

أسير ذاكرة

 يحفظ الناس ذاكرتهم كمن يحفظ الجنين في مادة الفورمالين، لا تحنّط مشاعرهم المتعلقة بالذاكرة، بل تثار رائحة هذه المشاعر وتفيض كلما احتكّت بموقف، أو صورة. أجد نفسي دائماً عالقاً بين الحرف والذكرى. أبحث عن أصدقائي بين حروفي المتكسّرة في حضرتهم، وأجدني في كل مرّة تابعاً لصورتهم الضاحكة، الصورة التي تُبكيني من فرط عذوبتها، الصورة التي تقتلني كلما نويت الافراج عنها.

في هذه الإبادة، فقدت الكثير من الأصدقاء، فقدت عزيز قلبي يوسف، وفقدت سخريتي الشديدة من الحياة، وبدأت آخذها بكل سوءها على محمل الجد، الأمر الذي يجعلني بهذا الكم من الذاكرة الثقيلة. مثل مرساة رميت في بحر من الصور تسمع صرخاتها من بين أمواج الحياة، تسمعها وتغطّيك بزبدها الذي لا يزول، فيختفي وجهك ويبقى ملحه على الشاطىء. 

كان من الممكن بعد هذا كلّه أن أُعلن تيهي في هذه الحياة، فبعد محاولة الانتحار الأخيرة عزمت على النسيان، ولكنّ عزمي يتبدّد مع آثار الحبل الذي انقطع بسبب بدانتي في تلك الليلة، هذا العزم التافه قد يبدو من بعيد هو راحة، ولكنّه في الحقيقة هو هروبي الأخير من الحريّة، وإن كانت هذه الحريّة عنوانها العيش بعد الإبادة.

أطمح لقتل روديون راسكولينكوڤ في النفس البشريّة جمعاء، أطمح لدثره هو وأحلامه، ليكون هناك عالم بلا تبرير لهذا الشر، لإصلاح هذا العالم المتهالك الذي يسقط كل مرّة في اختبار الإنسانيّة. 

تُهاجمني ذاكرتي الآن بصورة لا أنساها، تخرج كلما أردت تغييبها، وهي صورة أُم تعاتب الله عندما سمعت خبر استشهاد ابنها الخامس. تهاجمني هذه الصورة التي أعرف تفاصيلها كلما مررت من أمام مشرحة المستشفى. وتهاجمني تلك الوجوه المتجهّمة التي لا تعرف كيف تنقل الخبر لأهل الفقيد. ويهاجمني سؤال لماذا، لماذا كل هذا الموت؟ وهل يستحق أن يحصل حتى نحصل على حياة لائقة بآدميتنا؟ تُهاجمني ذاكرتي الآن بكل الصور العالقة، وأُعاتب الله مثل تلك الأُم بوجه متجهّم مثل تلك الوجوه. تُهاجمني بعدما ظننت أنّ لا حراك لها داخلي وقد كنت مخطئاً. 

لا أعرف اذا ما كانت ذاكرتي قد تخونني في يوم من الأيّام، ولكنّني أتمنى لو أُصبت بالخرف، حتّى يتسنّى لي نسيان كل هذا البؤس، الذي يُغرقني فيه حتّى أخمص قدمي، أُصاب بالخرف النعمة، الذي من شأنه أن يُريحني تماماً من الأسر في ذاكرتي.

بهاء رؤوف

31/1/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة