صادفت سيدة وابنتيها، ماريا وميار، في طريق العودة من غزة إلى المواصي. قالت لي بهدوء، كمن يحاول أن يخفف وطأة الطريق لا أن يشرح مأساته، إنها نزحت خمس مرات، وكان الجنوب أرحمها في كل مرة. لم تتحدث عن الأمكنة بقدر ما تحدثت عن الناس، عن بيوت فُتحت بلا أسئلة، وعن لطف أنقذها أكثر من الجدران.
في خانيونس، تقاسمت معهم عائلة من آل ريان غرفة من بيتهم، وفي أول نزوح إلى رفح استقبلتهم عائلة شاهين. حين أخبرتها أنهم من بلدتي، القبيبة قضاء الرملة، ابتسمت، كأن الأسماء وحدها ما زالت قادرة على خلق وطن مؤقت.
هي أرملة. زوجها استُشهد في رفح، ودُفن في مقبرة حيّ السلام، ولا تعرف إن كان قبره ما يزال هناك. أخبرتها أن قبر أختي في رفح أيضًا، في حيّ السلطان، وأن المقبرة جُرِّفت. في اللحظة نفسها، تشاركنا السؤال: ما مصير رفح؟
بكت ميار الصغيرة؛ أرادت أن تتقاسم مع ماريا إصبع القرشلة الذي أهداها لها السائق. رفضت ماريا بعصبية. وضعت الأم يدها على فم الصغيرة خجلًا، واعتذرت عن تصرّف ابنتها الكبرى، وقالت: «ميار وُلدت بعد استشهاد أبيها بخمسة أشهر، أما ماريا فقد رأته بنصف جسد لحظة موته، كانت مدلّلته»، قالتها حرفيًا: «كانت ضَرّة أمها بمحبته».
الآن صارت غاضبة، حادّة، أنانية أحيانًا، كأنها تخاصم الحياة كلها. تبكي حتى تتقيأ. تحاول الأم أن تتجاهل حدّتها، علّها تتعافى، لكن حساسيتها تزداد مع الوقت، كأن الفقد لا يهدأ، بل يتغيّر شكله فقط.
في المقدّمة، كان الشبان يتناقشون مع السائق عن حرب الدخان، عن السفر، عن المعابر، وعن رفح. قال بعضهم إنهم لم يحبوها في البداية، وكيف لمن خرج من بيته حافي القدمين أن يُحب مدينة وصلها هاربًا من الموت، وللمرة الأولى؟
لكنهم اتفقوا في النهاية على شيء واحد:
رفح ليست مدينة.
رفح هي الأم .. أمّ القطاع.
كيف نُخبر رفح أننا نحبها؟
نَجيّا مَحمود
7/2/2026


