شارِعُنا |

شارِعُنا

شارعُنا ليس له اسمٌ.

وشارعُنا لم يُرسَمْ مسبقًا على خرائط هندسية، لكنه صار أجملَ شارعٍ في الحيّ.

وعندما كبرتُ وزرتُ بلاداً كثيرة، عرفتُ أيضاً أنه أجملُ شارعٍ في العالم، وأقدمُ شارعٍ في العالم.

شخصياً، لا أتذكر شارعاً قبله.

شارعُنا ليس محاذياً لنهر، ولا يُشرِف على أودية، وليس فيه رصيفٌ أنيق، ولا واجهاتُ محالٍّ تجارية فاخرة، وليس على جانبيه صفان من الأشجار الخضراء المشذَّبة؛ لكنه يملك من أسرار الهندسة ما جعله أجملَ من ذلك كلّه.

شارعُنا ليس طريقاً… شارعُنا فيه صفات الإنسان .

شارعُنا ليس له اسم، ولا يحتاج؛ فلا أحد يقول: أبي فلان، أو أمّي فلانة.

هو شارعُنا وحسب… وهذا اسمُه ، نوعٌ من صِلةِ القرابة في الدم ، لا تعترف بها السجلات ولا توثّقها الجهاتُ الحكومية.

عندما كنتُ طفلا، ، كان شارعُنا صديقي الذي لا ترتاح له أمّي.

أشتاقه ويشتاقني، فأغافلها بعد المدرسة وأنسلّ إليه خِلسة.

أولى الخيانات اللذيذة تكون مع الشارع، وأولى الحروب التي يخوضها كلٌ منا (مع الأسرة والمدرسة) من أجل حريته المكتشَفة.

وشارعُنا لا يثبت على هيئةٍ واحدة؛ يتبدّل خلال النهار وأيام الأسبوع والفصول.

فتارةً يكون صديقاً بعمري، وتارةً يمشي معي إلى السوق أو المسجد مثل أخ.

وساعة أذان العصر يتمدّد في الظلال ويغفو مثل جدّ.

وفي الصباح، عندما يُفتح بابُ الدار، يطلّ بهيًّا مثل بنت الجيران، فينازعك قلبُك لتتأخر قليلاً عن المدرسة وتتنفّسه.

تمشي فيه كأنما تمشي في داخلك… مليئاً بالشمس، واثقاً من وعد الأمل.

وشارعُنا، عندما يشتدّ الشتاء، يستقبلك مثل أمّ، تتعجّلك لتعانقك بكلتا ذراعيها، وتتحسّس ملابسك المبلّلة.

شارعُنا لم يكن طريقًا…

شارعُنا كان إنسانًا.

ومثل كثيرٍ من أهل الحيّ ممّن لم يستطع أحدٌ الوصولَ إليهم، لم يزل منذ أربعةِ شهورٍ تحت الأنقاض.

د. عاهد حلس

عاهد حلّس

9/2/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading