وَحينَ عُدنا، لَم نَجِد غَزّة |

وَحينَ عُدنا، لَم نَجِد غَزّة

كَأنني كنتُ أعرف…

أن العين حين تُطيل النظر لا تفعل ذلك عبثًا، بل خوفًا من الفقد.

وقفتُ على شرفة مكتبي ليس بصفتي مراسلًا ولا شاهدًا، بل إنسانًا يحاول أن يخزّن وطنه في حدقة الروح ؛ كنتُ أمدّ بصري على اتساعه؛ الشوارع التي حفظت خطانا، المباني التي تشبه أعمارنا المتراكمة، المخيم الذي علّمنا أن القسوة يمكن أن تُنجب دفئًا، والبحر… ذلك الصديق الأزلي الذي كان يربّت على حافة المدينة كي لا تنهار. كنتُ أرى غزة لا كما هي فقط، بل كما يجب أن تبقى: كاملة، متماسكة، حيّة رغم كل ما يثقل صدرها.

في تلك اللحظة لم أكن ألتقط صورة، بل كنتُ أودّع ببطء.

أشبع عينيّ من التفاصيل الصغيرة: شرفات متعبة لكنها مأهولة بالأمل، مآذن تشقّ الغيم لتذكّر السماء بأن هنا من لا يزال يصلّي، نوافذ مفتوحة على ضحكات مؤجّلة. كنتُ أشعر أن الزمن توقف احترامًا لهذا المشهد، وكأن المدينة تقول لي: خذني معك، احملني حيثما ذهبت، فأنا قد لا أكون هنا حين تعود.

ثم جاء النزوح…

وجاء معه الانفصال القاسي بين الجسد والمكان. خرجنا وقلوبنا معلّقة في الهواء، نترك خلفنا مدينة لم تكن تعلم أنها تُلتقط للمرة الأخيرة. مرت الأيام ثقيلة، وكان اسم غزة يتحول في الذاكرة من مكان إلى صلاة، من شارع إلى وجع، من بيت إلى سؤال لا جواب له.

وحين عدنا…

لم نجد غزة.

وجدنا ظلّها بقاياها صمتها المكسور.

المدينة التي كانت تملأ العين صارت تجرحها. المباني التي كانت تتكئ على بعضها سقطت دفعة واحدة، كأنها تعبت من الصمود. الشوارع ضاقت حتى عن الذكريات، والبحر بدا حزينًا، كأنه خجل من النجاة وحده. عندها فقط فهمت: لم أكن أحاول أن أشبع من رؤية غزة

كنتُ أودّعها دون أن أملك شجاعة الاعتراف.

 

أحمد نبيل غانم

13/2/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading