كُرات الجبن |

كُرات الجبن

طلبت مني أمي قبل قليل أن أصنع كرات الجبن إلى جانب العشاء. كلمةٌ عابرة، لكنها فتحت في داخلي بابًا صدئًا على مصراعيه. عاد بي الزمن، دفعةً واحدة، إلى مجاعة الشمال الأولى قبل عامين؛ إلى تلك الأيام التي كان فيها الدقيق الأبيض سرًّا يُتداول همسًا، كأنه حشيشٌ ممنوع، يُشترى بالكيلو، ويُخلط بدقيق الشعير والذرة، فيصير شيئًا لا يُؤكل… ومع ذلك نأكله. وكان نصيبك منه رغيفًا واحدًا، تقيس به يومك كلّه.

في الليل، حين كان الجوع يقرصني كحيوان صغير مسعور، كنت أتحوّل إلى ظلّ. أتسلل إلى المطبخ كما لو أنني أرتكب جريمة حب. أسترق كوبًا كاملًا من الدقيق الأبيض، أضعه في وعاء صغير، أضيف الماء والخميرة، وأعجن بيديَّ كأنني أستخرج الحياة من العدم. أصنع كرات صغيرة، أُخبئ في قلب كلٍّ منها قطعة جبن، ثم أتركها تعانق الزيت المغلي. كانت الرائحة ترتفع ببطء، دافئة، حنونة، كأنها حلم.

أعود بالطبق إلى الغرفة، ست كرات تلمع في الضوء الخافت، وأدخل عليهم وكأنني أحمل دجاجة كاملة، لا مجرد لقيمات. تتسع العيون، تقفز الأجساد، تختلط الضحكة بالحرج، والفرح بالخوف. كل كرة كانت تفتح باب الجوع الذي حاولنا نهارًا إخماده. نلتهمها بسرعة، وكأننا نخشى أن تُنتزع من بين أيدينا. ثم يأتيني التحذير الهامس:

لا تعيدي هذا التصرف… هذا دقيق أبيض!

واليوم، وأنا أضع عدة أكواب من الدقيق في وعاء واسع، تتساقط الذكريات مع كل ذرة. لا أمدّ يدي لالتقاط ما يقع على الطاولة. أتذكر كيف كنت أحرس كل حبة، كأنها لؤلؤة.

أخبر أمي بما عبر قلبي، فتبتسم، وتخرج منا ضحكة قصيرة، يتبعها تنهد طويل. نقول: كانت أيام…

ولا نجرؤ أن نصفها بالسواد. كيف نسوّد ما حدث في بيتنا؟

بيتنا الذي كان يضيق بنا ويحمينا في آن، الذي جاع معنا، لكنه لم يطردنا.

كنا هناك، معًا. وهذا وحده كان كافيًا ليمنح الجوع شكلًا أليفًا.

واليوم، تبدو كرات الجبن عادية.

لا تلمع كما كانت، لا تُشعل دهشة في العيون.

عادية… بين هذه الجدران الغريبة عنا، التي لا تحفظ أسماءنا، ولا ترتجف لضحكاتنا، ولا تعرف كيف تحنّ أو ترأف.

أسيل أحمد المنسي

15/2/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة