صحاب الأرض |

صحاب الأرض

تابعتُ ما نشره معظم أصدقائي في غزة شرحا على مشاهدتهم مقاطع من مسلسل #أصحاب_الأرض الذي يحاول أن يقتفي أثر الحرب على غزة ويستنطق قصصها الحقيقية.

قرأتُ وصفهم للأحداث المليئة بالوجع وربطها المباشر للذكريات المؤلمة التي عايشنها في الحرب، واتفاقهم الضمني على عجزهم عن إكمال المشاهدة.

لقد تحركت أصابعهم لتوقف العرض، وتجمدت أعينهم أمام المشاهد؛ لأن الروح لا تحتمل مرآةً تعكس جرحها النازف في ذات اللحظة.

طوال أشهر المقتلة، كنتُ كمتخصص في الصحة النفسية -وقبل ذلك كإنسان يحيا هذا الموت اليومي- أنشر ناصحا المتابعين من غزة بأن يتجنبوا مشاهدة الصور والمقاطع الصادمة.

ففي فلسفة الوجع التي نعيشها، الصدمة ليست مجرد قصة يمكن أن تروى ثم يزول اثرها، لكنها ثالوث يطبق على الروح:
حدثٌ مهددد للحياة يتعرض له الشخص أو يكون شاهدا حيا عليه .
وخبرةٌ تعطي الحدث تفسيرا خاصا.
وتأثيرٌ يبقى كوشم لا يزول.

والحدث في غزة عنف خام ما زال مستمرا بتهديد مباشر لحياة الناس، لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الانفجارات ذاتها، بل في “الخبرة” التي حُفرت في وعينا؛ في ذاك الشعور بالعجز المطلق، ورائحة الغبار التي استوطنت الرئتين، وصوت الصمت المرعب الذي يلي الانفجار.

عندما يشاهد الغزيّ المسلسل، هو لا يرى “تمثيلاً” للحدث، بل يستعيد “خبرته” الشخصية بكل تفاصيلها الحسية، وكأن الشاشة تمد يداً لتلمس جرحاً ما زال ملتهباً ومفتوحاً، بل وغائراً في الروح أيضاً.

هنا يظهر “التأثير”؛ كردٍّ فطري للجهاز العصبي الذي يرفض “الاستثارة” مرة أخرى.

وعدم القدرة على إكمال المشاهدة هنا ليس ضعفاً يُنسب للمشاهد الغزي، بل هو صرخة الجسد الذي يقول “كفى”. فنحن لا يعقل أن نُصدم مرتين: مرةً بسوط الواقع، ومرةً بصدى صورتنا الفاجعة على الشاشة الصغيرة.

وعلى الرغم من تقديري للجهد الكبير المبذول في هذا العمل الدرامي، إلا أنني أقولها وبملء قلب تسكنه المعاناة: تبقى المشاهد الحية التي عشناها أشد قسوة وبشاعة من أن ترويها شاشة أو تحويها كوادر التصوير.

فالكاميرا ستظل عاجزة عن نقل بشاعة العدم كما استقر على مسام جلدنا؛ حين عشنا تفاصيل الابادة بلا موسيقى تصويرية، وبلا فواصل إعلانية تمنحنا حق الاستراحة بين موتين.

فما زال صوت لهاثنا قائماً ونحن نهرب بين الانفجارات، وما زلنا نعيش فصولاً متكررة ومستمرة من النزوح.
وما زالت الخيمة مثيرا صادما يذكرنا بفداحة خسائرنا.
وما زالت قلوبنا تحن وتأن شوقا لأحبتنا الضحايا.

لذا، فإن استجابة “التجنب” التي نمارسها بعدم إكمال المشاهدة هي في جوهرها فعلُ حبٍ للذات، وهي محاولة لترميم ما تبقى من توازن، ورفضٌ غريزي لتعريض الروح لجرعات إضافية من السموم العاطفية فوق طاقتها. شىء يشبه “حكمة الجسد” حين يقرر أن يغمض عينيه لكي ينجو قلبه.

أما أنت أيها المشاهد في العالم البعيد خلف الشاشة، فلك أن تشاهد، بل ربما عليك ذلك؛ لترى ما وراء الأرقام المجردة التي كنت تسمعها في نشرات الأخبار. ولكن حتى وأنت تشاهد، كن رفيقاً بروحك؛ فإذا شعرت بضيقٍ يطبق على صدرك، أو شعرت بأنك مخطوف من دائرة “هنا والآن” إلى سراديب الذاكرة فتوقف.

توقف واعلم أن الحقيقة التي نعيشها أثقل بكثير من أن تُختزل في مشهد، وأن العالم يحتاج إليك بذاكرة حية ونفس صلبة، لا بروح منكسرة تحت وطأة صدمة لا ذنب لك فيها سوى أنك إنسان تشارك الضحايا قتلهم على الهواء مباشرة.

نحن نكتب لنؤرخ، ونصور لنحفظ الحكاية، لكن الإنسان سيظل دائماً هو أغلى ما نملك. والحفاظ على ما تبقى من سلامة نفوسنا في هذه المحرقة، هو أسمى أنواع الوجود.

لا أدري إن كان علي أن أكتب : مشاهدة ممتعة اتمناها لكم؟! ام أضع نقطة أختم بها هذا الكلام؟!
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين
٢١/٢/٢٠٢٦

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading