السردينة والسرديّة |

السردينة والسرديّة

ذهبتُ إلى الشاطئ، لا بحثًا عن الحكمة، بل عن نَفَسٍ مالحٍ يعيد ترتيب رئتي.

كان الصيادون يسحبون الشباك ببطءٍ احتفالي، كأنهم يجرّون ستارة مسرح عن عرضٍ بحري محدود المقاعد.

وقفتُ أراقب.

الشبكة تلمع تحت الشمس، تتحرّك كأنها كائنٌ ضخم يختنق…

ثم فجأة قفزت الحقيقة فضيّةً.

سردين.

كثير من السردين.

طازجٌ إلى حدّ أنه ما يزال يتجادل مع البحر في أمر الانفصال.

اقتربتُ أكثر.

كانت الأسماك تتقافز في الشبكة، تلمع كأنها أفكارٌ لم تُكتب بعد.

كل واحدة ترفس الهواء كأنها تعترض:

“هذا ليس ما اتفقنا عليه.”

قال أحد الصيادين ضاحكًا:

— اليوم السردين عنيد.

سألته:

— وهل للسردين مزاج؟

فكّ عقدةً في الشبكة وقال:

— في بعض الأيام يقفز إليها كأنه يريد أن يجرّب اليابسة.

وفي أيامٍ أخرى يتظاهر بالذكاء… ويتركنا نجرّ البحر وحدنا.

تأملتُ سمكةً علقت قرب الحافة.

عينها مفتوحة على اتساعها، كأنها تقول:

“قبل دقيقة كنتُ أسبح في روايةٍ زرقاء بلا حدود،

والآن صرتُ جملةً قصيرة في قدر.”

فجأة قفزت واحدة من الشبكة وسقطت على الرمل قرب قدميّ.

ارتبكتُ.

هي تنطّ… وأنا أنطّ.

هي تبحث عن بحرٍ،

وأنا أبحث عن معنى.

التقطتُها بحذرٍ شديد، كأنني أمسك بفكرةٍ حساسة، وأعدتُها إلى الماء.

ضحك الصياد وقال:

— لا تتعب نفسك. بعد خمس دقائق ترجع مع جماعتها… عندها فضول.

تأملتُ البحر.

كل موجة كانت تكتب سطرًا وتمسحه فورًا.

البحر لا يحب الأرشفة.

قلت للصياد:

— هل فكرت يومًا أنكم لا تصطادون السمك… بل قصصه؟

هزّ الصندوق ليرتب ما فيه وقال:

— يا أخي نحن نصطاد الغداء. القصص لا تُقلى بزيت.

ضحكتُ.

الرجل واقعيّ إلى حدٍّ يهدد الأدب.

اشتريتُ كيلو سردين.

كان بعضها ما يزال يتحرك في الكيس،

كأنه يضيف سطرًا أخيرًا قبل الطباعة.

في الطريق إلى البيت شعرتُ أنني أحمل كيسًا من السمك…

وكيسًا آخر من الأسئلة.

في المساء، حين اشتعلت المقلاة وأصدر الزيت أول صفّارة إنذار،

فكرتُ أن الأسماك في البحر تعيش حياتها فقط.

لكن ما إن تقع في الشبكة…

حتى تبدأ قصتها.

أما البحر،

فسيواصل كل صباح كتابة نسخةٍ جديدة…

ثم يمحوها بالموج.

إبراهيم عصام

5/3/2026

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة